
ميزان يوم القيامة: معناه وكيفيّة نصبه
ما هي الآراء المطروحة بخصوص معنى الميزان وكيفيّة نصبه يوم القيامة؟ هل لميزان يوم القيامة كفّة واحدة أم كفّتان! من هم الموازين في يوم القيامة؟ ما هما الطائفتان اللتان لا توزن أعمالهما يوم القيامة؟ كيف يكون أمير المؤمنين عليه السلام ميزانًا للأعمال في يوم القيامة؟ ما هي التضحيات التي قدّمها الإمام عليّ عليه السلام في سبيل الله تعالى؟ كيف تُقاس أعمال الأمّة والشيعة بأعمال أمير المؤمنين عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
ميزان يوم القيامة: معناه وكيفيّة نصبه
12وفضلاً عن أنّه مستعدّ للتخلّي عمّا يقع تحت يديه من الأفلاك في مقابل عدم سلب جلب شعير من فم نملة، فإنّه يُقسم بأنّ الابتلاء بأشدّ العقوبات أحبّ إليه من ظلم أحد:
«واللهِ لَأَن أبيتُ على حَسَكِ السعدانِ (وهو شوك خاصّ وقاس) مُسَهَّدًا وأُجَرَّ في الأغلالِ مُصَفَّدًا أَحبُّ إلَيَّ مِن أن أَلقَى اللهَ ورَسولَه يَومَ القِيامةِ ظالِمًا لِبَعضِ العِبادِ وغاصِبًا لِشَيءٍ من الحُطامِ»۱.
وكذلك في مقام الإيثار والإنفاق على المساكين، فإنّ إيثاره وإنفاقه عليه السلام يُجعلان معيارًا: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾٢، كما يُجعل جهادُه عليه السلام ميزانًا في مقام الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس والألسن، ويُتّخذ كظمه للغيظ وطهارته ميزانًا أيضًا في مقام كظم الغيظ والعيش من دون أهواء ونزوات.
فحينما كان الإمام عليه السلام متوجّهًا إلى البصرة من أجل صدّ أصحاب الجمل، حطّ رحاله بالربذة، وانهمك داخل خيمته في إصلاح نعله، فجاءه حجّاج كانوا في طريق عودتهم من مكّة، ليطرحوا عليه بعض الأسئلة، ويلتقوا به، وظلّوا ينتظرونه خارج الخيمة، فدخل عليه عبد الله بن عبّاس، وقال له: «نحنُ إِلى أنْ تُصلِح أمرَنا أحوجُ مِنّا إِلى ما تَصنعُ».
فلم يعتن أمير المؤمنين بكلامه بتاتًا، إلى أن فرغ من إصلاح نعله، ثمّ ضمّها إلى صاحبتها، وقال: «(يا ابن عبّاس) قَوِّمْها»، فقال ابن عبّاس: «درهم أو نصف»، فقال أمير المؤمنين:
«والله لهما (أي هذا الزوج من النعال) أحبُّ إِليَّ من أَمرِكم هذا (ومن الحكومة التي تدعونني إليها)، إِلاّ أنْ أُقيمَ حقًّا أو أدفعَ باطلاً»٣!
قبس من إيثار الإمام عليّ عليه السلام وتضحيته في سبيل الله تعالى
وهكذا أيضًا في مقام الإيثار والتضحية بالنفس في سبيل الرسول الأكرم والدين، حيث تُجعل ليلة المبيت ودفاعه عليه السلام عن رسول الله في غزوة أحد وبقيّة الغزوات معيارًا وميزانًا.
فحينما خرج النبيّ الأعظم من مكّة، قال له [ما معناه]: «يا عليّ، نم في مكاني»، فنام أمير المؤمنين في مكانه صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يقل: «إن نمت في مكانك، فما الذي سيحصل؟ هل سيقتلونني، أو لا؟»، فذلك لم يكن مهمًّا بالنسبة إليه، بل قال: «أو تسلمنّ بمبيتي هناك؟»، فقال النبيّ: «نعم»، قال [ما مفاده]: «سأنام».
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ٢۱۸.
- سورة الإنسان، الآية ۸.
- الإرشاد، ج ۱، ص ٢٤۷، مع اختلاف يسير.
