
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
الإجابة عن أسئلة مختلفة المواضيع
قسّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ هذه المحاضرة إلى قسمين: خصّص القسم الأوّل منها لموضوع الاعتدال، لِما فيه مِن أهميّة محوريّة في سلوك الإنسان، فبسط الكلام فيه تعريفًا وتوضيحًا وتقريبًا وتمثيلًا وتطبيقًا. وخصّص القسم الثاني منها للإجابة عن أسئلة مكتوبة، تنوّعت مواضيعها بين التربية، والأسرة، والعلاقات الاجتماعيّة، والحجّ، وتوضيح مقام (هو)، ورفع شبهة حول إحدى حالات السيّد الحدّاد في أيّام عاشوراء، وبيان الأحكام الشرعيّة لبعض المواضيع، وغير ذلك. وقد اشتملت بعض الإجابات على تنبيهات وإشارات قيّمة، منها حول كيفيّة تعامل سماحته مع الأسئلة الّتي تُرسل إليه.
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
33نعم، أمّا فيما يتعلّق بنا، فنحن عندما نتمعّن في الحادثة، يكون نظرنا منصبًّا على السهام والسيوف والنار والدم السائل، فنتأثّر مِن تخيّلنا لهذا المشهد، وهذا أمر طبيعيّ بالنسبة لنا، لأنّا لا نمتلك ذاك الفهم والإدراك، فمِنَ الطبيعيّ حينئذ أن نجزع، ولا ينبغي لنا أن نفرح لذلك، ولكن متى ما وصلنا إلى ذلك الإدراك والشعور، فسيَفرض حكمه الخاصّ حينئذ، ولا علاقة لنا شخصيًّا بذلك. لماذا علينا أن نقوم بأداء أدوار تمثيليّة؟! لا داعي لذلك، بل علينا أن نتصرّف بما يقتضيه وضعنا الفعليّ اتّجاه هذه المصيبة.
قد قال هذا العبد مرارًا: علينا أن لا نحصر تفكيرنا بالمصيبة الواقعة فقط، بل علينا أن نسمو بأفكارنا إلى ما هو أعلى مِن ذلك، وما ذكره المرحوم العلّامة في كتاب (الروح المجرّد) [حول حالات السيّد الحداد أيّام عاشوراء]، كان لهذا الغرض، كان يريد أن يقرع هذا الموضوع أذهاننا، فالأمر لا ينحصر بالبكاء فقط، ولا ينحصر بضرب الرؤوس، بل لدينا أشياءٌ أُخر علينا أن نفكّر بها [في هذا الموضوع]؛ فما الّذي كان يقصده القاسم عندما قال: الموت أحلى مِنَ العسل؟۱ وما هو الجوّ الّذي كان يعيشه زهير بن القين والّذي دفعه لأن يقول في ليلة عاشوراء: لو قُتلتُ ألف مرّةٍ وقُطّعت وحُرّقت ونُثر رمادي، يُفعل بي ذلك ألف مرّةٍ، [ومع ذلك] فأنا مستعدٌ أن يُفعل بي ذلك ألفٌ وواحد؟٢ ما الّذي كان قد رآه حتّى يقول هذا الكلام؟ فهو لم يكن قد رأى السيوف، بل كان قد رأى شيئًا آخر. نعم، إنّه لم يكن قد رأى السيف والرمح والقتل، بل كان قد رأى شيئًا آخر، وهو الشيء نفسه الّذي يراه الآن السيّد الحدّاد، ولعلّ [السيّد الحدّاد] قد رأى ما هو أعلى مِن ذلك.
لهؤلاء درجات متفاوتة، فزهير، بالرغم مِن كونه مِن أصحاب سيّد الشهداء، غير أنّه يختلف عن حبيب بن مظاهر، فأين هو مقام زهير بن القين مِن مقام حبيب! رغم أنّهم جميعًا في مكانٍ واحدٍ، وفي خيمة واحدة، إلّا أنّ مراتبهم مختلفة؛ فرغم أنّه علينا أن نُقبّل أقدامهم جميعًا وأن نطلب شفاعتهم، إلّا أنّ اختلاف مراتبهم هو أمرٌ واقعيّ، فلكلّ منهم مرتبته الخاصّة.
- مدينة المعاجز، السيّد هاشم البحرانيّ، ط. مؤسسة المعارف الإسلاميّة قم، ج٤، ص٢۱٥، في حديث قال فيه: فقال لهم عليه السلام: «يا قوم إنّي في غدٍ اقتل وتقتلون كلكم معي، ولا يبقى منكم واحدٌ ... فقال له القاسم بن الحسن: وأنا فيمن يُقتل، فأشفق عليه. فقال له: يا بُنيّ كيف الموت عندك؟ قال: يا عمّ، أحلى مِنَ العسل. فقال: أي والله، فداك عمّك، إنّك لأحد مَن يُقتل مِنَ الرجال معي، بعد أن تبلو ببلاء عظيم، وابني عبد الله»؛ وراجع أيضًا النفس المهموم في مصيبة سيّدنا الحسين المظلوم (يليه نفث الصدور فيما يتجدّد به حزن العاشور)، للشيخ عباس القميّ، ط. المكتبة الحيدريّة النجف، ص٢۰۷. (م)
- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ط منشورات الشريف الرضيّ قم، ص۱۸٤، في حديث قال فيه: وقام زهير بن القين رحمه الله فقال والله لوددت أنّي قُتلتُ ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى اقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان مِن أهل بيتك لفعلت؛ ومثله في كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ الطبرسيّ، ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم، ج۱، ص٤٥٦؛ والمناقب، لابن شهر آشوب، ط علامه قم، ج٤، ص٩٩. (م)
