
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
الإجابة عن أسئلة مختلفة المواضيع
قسّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ هذه المحاضرة إلى قسمين: خصّص القسم الأوّل منها لموضوع الاعتدال، لِما فيه مِن أهميّة محوريّة في سلوك الإنسان، فبسط الكلام فيه تعريفًا وتوضيحًا وتقريبًا وتمثيلًا وتطبيقًا. وخصّص القسم الثاني منها للإجابة عن أسئلة مكتوبة، تنوّعت مواضيعها بين التربية، والأسرة، والعلاقات الاجتماعيّة، والحجّ، وتوضيح مقام (هو)، ورفع شبهة حول إحدى حالات السيّد الحدّاد في أيّام عاشوراء، وبيان الأحكام الشرعيّة لبعض المواضيع، وغير ذلك. وقد اشتملت بعض الإجابات على تنبيهات وإشارات قيّمة، منها حول كيفيّة تعامل سماحته مع الأسئلة الّتي تُرسل إليه.
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
32في أحد مجالس سيّد الشهداء (عليه السلام) الّتي كانت تُعقد في الصباح في عهد المرحوم العلّامة، جلس إلى جانبي أحدُ رفقاء الطريق رحمه الله، كان رجلًا حائزًا على مراتب عالية، وبينما كان القارئ مشغولًا بالعزاء ومُصاب الإمام الحسين، كان الرجل يبكي بشدّة، ثمّ رأيتُ حالة عجيبة قد هيمنة عليه، فاحمرّ لون وجهه وأخذ يتصبّب عرقًا، وأصبح بشوش الوجه، وذلك كلّه وهو يبكي إذ لم ينقطع عن البكاء، غير أنّ وضعه قد تبدّل دفعةً واحدة، فظهرت عليه البهجة والبهاء إلى درجة أن حالته هذه أثّرت على حال العبد. كانت حالته عجيبة، تشبه حالة مَن أُعطي العالَم بتمامه؛ ما الّذي يحصل لِمَن يُعطى العالَم بأسره! وبعد انتهاء المراسم، قال لي، وذلك دون أن أسأله عمّا حصل له: بينما كان القارئ مشغولًا بقراءة العزاء وما جرى على الإمام الحسين، حصلت لي ومضةٌ واحدة. [أقول:] يا له مِن أمر عجيب قد حصل للإمام الحسين، فلو أنّ واقعة عاشوراء تكرّرت مئات المرّات، فلن تساوي جميع مصائبها شيئًا أمام ما أُعطي للإمام.
ما أريد قوله هنا هو: إن كان حصول ومضة واحدة لا أكثر لعبد الله ذاك في مجلس الإمام الحسين، هو بسبب التأثّر والبكاء، فتعالوا وانظروا إلى ما كان يمرّ على السيّد الحدّاد، الّذي أدرك كلّ شيء، وكان كلُّ شيءٍ يتمثّل أمام عينيه، وهو الجالس الآن في ظلّ الإمام الحسين، وفي نفس المكان الّذي يجلس فيه الإمام الحسين، فما هي الحالة الّتي سيكون عليها حينئذٍ؟ وأريد القول: إنّ السيّد الحدّاد لم يُظهر مِن حالته الّتي كان عليها إلّا نسبةَ الواحدِ مِن مليار، فأين نحن مِن هذا؟ ثمّ هل كانت سعادته تلك سعادة بحيث تُضرب معها الطبول، كما كانت تفعل بنو أميّة؛ [ورد في زيارة عاشوراء ما معناه:] اللهمّ العن بني أميّة، إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أميّة وآل أبي سفيان وآل مروان۱، فقد كانوا يصفّقون ويتبادلون القبل ويهنّئون بعضهم البعض في هذا اليوم!!
قال جدّي لأمّي، المرحوم الحاجّ السيّد معين الشيرازيّ رحمه الله: كنتُ في يوم عاشوراء في الشام مرّة، فرأيت البعض – لا الجميع – يتعانقون في ذلك اليوم، ويهنّئون بعضهم البعض؛ «اللهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به..» فهؤلاء الّذين يقومون بذلك، هم مقصودون [أيضًا مِن فقرات هذه الزيارة] فهم يشبهون آل يزيد الّذين أنزلوا جميع تلك المصائب بالإمام الحسين، فهل كان السيّد الحدّاد مثلهم!!! كيف أتكلّم معكَ، وما الّذي يمكن أن أقوله لك؟! أنت أيّها المعاند عديم الإنصاف والوجدان، يا مَن سخرتَ مِن كتاب (الروح المجرّد) في كتاباتك وأحاديثك، وتستشكل عليه، فهل كان السيّد الحدّاد يهنّئ الآخرين في يوم عاشوراء!! [هل كان يقول:] مَن قام بقتل الإمام الحسين قد قام بعمل جيّدٍ، فتعالوا لنحتفل معًا بهذه المناسبة ولنتعانق!!! أهكذا كان السيّد الحدّاد، أم أنّه كان كما كنتُ أراه بنفسي، حيث كانت الدموع تنهمر مِن عينيه كالميزاب، فهل ابتهاجه هذا مثل ابتهاج أولئك [الّذين يتعانقون و..]؟!
- مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسيّ، ط. مؤسسة فقه الشيعة، ص۷۷٣، (۸٤۷ / ٢، الزيارة)، وممّا جاء فيها قوله عليه السلام: «السلام عليك يا أبا عبد الله ... يا أبا عبد الله، إنّي سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم إلى يوم القيامة، ولعن الله آل زياد وآل مروان، ولعن الله بني أميّة قاطبة، ولعن الله ابن مرجانة، ولعن الله عمر بن سعد، ولعن الله شمرا، ولعن الله أمة أسرجت وألجمت وتنقبت لقتالك ... اللهمّ إن هذا يوم تبرّكت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيّك صلّى الله عليه وآله في كل موطن وموقف وقف فيه نبيّك، اللهمّ العن أبا سفيان ومعوية ويزيد بن معاوية عليهم منك اللعنة أبد الآبدين، وهذا يوم فرحت به آل زياد وآل مروان بقتلهم الحسين صلوات الله عليه، اللهمّ فضاعف عليهم اللعن والعذاب ...» إلخ. (م)
