
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
الإجابة عن أسئلة مختلفة المواضيع
قسّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ هذه المحاضرة إلى قسمين: خصّص القسم الأوّل منها لموضوع الاعتدال، لِما فيه مِن أهميّة محوريّة في سلوك الإنسان، فبسط الكلام فيه تعريفًا وتوضيحًا وتقريبًا وتمثيلًا وتطبيقًا. وخصّص القسم الثاني منها للإجابة عن أسئلة مكتوبة، تنوّعت مواضيعها بين التربية، والأسرة، والعلاقات الاجتماعيّة، والحجّ، وتوضيح مقام (هو)، ورفع شبهة حول إحدى حالات السيّد الحدّاد في أيّام عاشوراء، وبيان الأحكام الشرعيّة لبعض المواضيع، وغير ذلك. وقد اشتملت بعض الإجابات على تنبيهات وإشارات قيّمة، منها حول كيفيّة تعامل سماحته مع الأسئلة الّتي تُرسل إليه.
الاعتدالُ هو سنّةُ اللهِ لسالكي الطريق
29كان أحد رفقاء الطريق يقول: عندما كنتُ أتردّد على المرحوم الشيخ الأنصاريّ كنتُ حليق اللحية – كان شابًّا حينها – وكان الرفقاء يتعجّبون مِن حضورِ شابٍّ حليق اللحية عند الشيخ الأنصاريّ. ولم يكن الشيخ يقول له شيئًا، أو ينبّهه على الأمر. [وقال:] كان يصل إلى مسامعي أحيانًا شيءٌ مِن هذا الكلام، فكنتُ أقول: لو كان الأمر مطلوبًا، لقاله لي الشيخ بنفسه. ومضى زمنٌ على هذه الحالة، أي ما يقارب السنتين أو الثلاث، حتّى بدأ الموضوع يزعجني أنا أيضاً! وكان الشيخ يضحك بوجهي ويقول لي: أكثر مِن مجيئك، لماذا لا تزورنا؟ تعال مرّة كلّ شهرين لكي نراك. وعندما تعبتُ مِنَ التفكير بهذا الموضوع، قلتُ له يومًا: لقد اشتبه الأمر علَيَّ، وأريد أن أعرف وجهة نظركم بشأن لحيتي. فضحك وقال: أحسنت، أحسنت، إن جعلت لحيتك تطول، ولو بمقدارٍ قليل، فهو أفضل. [أقول:] هل لاحظتم، فقد قال له: لو أطلتها قليلًا لكان أليق بك. عندما يحتفظ البعض بلحاهم تصبح وجوههم أجمل، وعندما يحلقونها تصبح وجوههم قبيحة؛ فلم يكن اعتباطًا أن عدُّوا اللحية مِنَ المحاسن، فهي مصدرٌ للحُسن والجمال. هل لاحظتم طريقة تصرّف الوليّ الإلهيّ والعالِم والمجتهد والعارف بالله، فهو لم يقل شيئًا لذلك الشابّ خلال تلك المدّة الّتي قضاها عنده، حتّى طرح هو الموضوع بنفسه، حيث قال في نفسه: لماذا لم يأمرني بمثل هذا الأمر مع كونه وليَّ الله وعارفًا؟ [أمّا بالنسبة إلى الشيخ] فهو لا يتكلّم بشيء قبل أن يحين وقته. يقول ذلك الشابّ: لقد أطلتُ لحيتي أكثر ممّا أوصاني به.. [أقول:] عندما يُقدم الإنسان على أمرٍ بكامل إرادته وبطيب خاطرٍ، سيستقرّ هذا الأمر في قلبه، وسيشعر بحلاوة طاعة الله، وسيستسيغ هذا الأمر المبهج والجميل. لقد حصل معي شخصيًّا مثل هذا الأمر آلاف المرّات، ولم أندم على ما مررتُ به مِن تجارب.
نعم، لا يجب على الإنسان أن ينبّه الآخر على كلّ شيءٍ لمجرّد كون ذلك الشيء حقًّا، فللأمر بالمعروف شروطٌ خاصّة: فيجب أن يعرف الإنسان ما هو المعروف وما هو المنكر، وليس المطلوب أن يُذكِّر الآخرين [دائمًا وكيفما كان]، فلعلّ الطرف الآخر يجيبه [قائلًا]: أصلح نفسك أوّلاً قبل أن تنصحني بالقيام بكذا وكذا. هذا أوّلًا، ثمّ عليه ثانيًا أن يعرف طبيعة الطرف المقابل وخصائصه الروحيّة، ومَن لديه هكذا اطّلاع حقًّا؟ لهذا عندما يأتي بعض الأصدقاء ويطلبون أن يتحدّثوا مع الآخرين، كنتُ أقول لهم: مَن أمركم بذلك؟! فلو استطعت أن تحفظ ثيابك مِنَ البلل، تكون قد أحسنت صُنعًا، ولكن تراه – وهو على ما عليه مِن حال – يتّصل بهذا وذاك، ثمّ تؤول الأمور إلى شيء آخر، ويؤدّي الأمر إلى أن يتصوّر الطرف المقابل أنّني أنا الّذي كلّفته بهذه المهمّة، ولكن متى كنتُ قد كلّفته بذلك! فأنا اكبح نفسي عن القيام بهذا العمل، وأحوال الحيلولة دون حصول ذلك! لقد تعبتُ مِن هذه الأمور، نعم، لقد تعبت حقًّا مِن كثرة العلاقات، وأنا أشعر بالحاجة إلى السيطرة أكثر على أوقاتي ونشاطاتي، ومع كلّ هذا ترى البعض يريد أن يدعو جاره للحضور أيضًا! لكلّ شخص إلهه أيّها العزيز، وتكليفه الّذي عليه القيام به، ومسؤوليّاته الواجبة عليه. على كلّ شخص أن يلتزم بما يُؤمر به، وأن يسعى للوصول إلى هدفه المنشود، ولا شأن له بغيره، فمَن يجب أن يصل المطلبُ إلى مسامعه، سيصل إليه دون قيامك أنت بذلك.
