
جهة ارتباط المخلوقات بالله (2)
شهادة الأعضاء على أصحابها يوم القيامة
تدور المحاضرة حول مكانة الإنسان من الله وعلاقته به، وتطرح أسئلة حول كيفيّة تعامل أولياء الله مع الله، وكيف يجب أن تكون علاقتنا نحن به. وتتحدّث عن جهتي الربوبية والخلقية لأفعال الإنسان، واستناد جميع الموجودات إلى العلم والحياة والقدرة الإلهيّة. وتتناول المحاضرة شهادة الأعضاء يوم القيامة، وتوضّح أنَّها بسبب جهة ارتباطها بالله، وأنَّ كل ما يفعله الله هناك هو رفع الحجاب عن أعيننا. وتتحدث عن السر في نطق جميع الموجودات، وأنَّ جميع ذرات عالم الوجود تنطق وتسبح بحمد الله.
جهة ارتباط المخلوقات بالله (۲)
3وقد تقدّم في الجهة الأولى أنّ جميع الأفعال هي خيرٌ محض من حيث حقيقتها الوجوديّة، ولا يوجد فيها أيّ نقصٍ أو شرّ، فالفعل من حيث هو وجود هو خير، بل هو حقيقة يمكن أن نقول عنها من حيث الظاهر أنّها لا تتّصف بالشرّ و لا بالخير، بل هي فعلٌ ينتسب إلى مبدأ القدرة والعلم والحياة.
استناد جميع الموجودات إلى العلم والحياة والقدرة وانتزاع الحياة من الذات
وجميع الصفات التي تظهر في هذا العالم، من أيّ شخصٍ أو موجودٍ، تستند إلى هذه الأسماء الثلاثة التي هي من لوازم الذات، وهي: العلم والحياة والقدرة، كما أنّ العلم والقدرة أيضًا منتزعان من الحياة، والحياة لازمة الذات، ولا تنفكّ عنها بحيث إنّه لا معنى للذات بدون حياة، وبعبارةٍ أخرى: هناك اختلافٌ في المفهوم لا في المصداق، فهما مفهومان يشيران إلى حقيقةٍ واحدة ويحكيان عنها، ومسألة الذات مرتبطةٌ بمسألة الحياة ارتباطًا حقيقيًّا لا مفهوميًّا، فالحياة هي استمرار الذات، وهذا الاستمرار بعد التحقّق يسمّى حياة.
فعندما يكون إنسان ما حيّاً نقول: له حياة، وعندما يموت نقول: فقد حياته، وقد حكم عليه الآن الموت، فطالما هو يمشي نقول: له حياة، وطالما يتكلّم نقول: له حياة، وطالما هو ينظر ويسمع نقول: له حياة، ولكن إذا انقطع هذا الاستمرار نقول: لا حياة له. هنا تأخذ الحياة بالنسبة إلى تلك النفس منحىً آخر، وتأخذ بالنسبة إلى ذلك الجسد منحىً آخر، فالحياة بالنسبة إلى الجسد تعني استمرار الجانب الجماديّ فيه، وبالنسبة إلى النفس التي فارقت البدن لها شأنٌ آخر، فهي في عالمٍ آخر ولباسٍ آخر مشغولةٌ بأعمالها ووظائفها، فهذه الحياة التي نتحدّث عنها هي لأجل اقتران تلك النفس بالبدن، فعندما تقترن النفس بهذا البدن وتتّحد به وتجالسه [تصبح له حياة].
معنى قول أمير المؤمنين: جاوركم بدني أيّامًا
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «كنتُ جاراً لكم جاورَكم بدني أيّامًا»۱، ويا له من تعبيرٍ عجيبٍ ومؤثّر! يعني: يا أيّها الناس، متى عرفتم عليًّا؟! ومتى فهمتم من أنا؟ وما هي حقيقتي؟ لقد رأيتموني أتكلّم معكم وأضحك وأقضي بينكم وأحكم وأحارب وأضرب بالمعول وأغرس النخيل، لقد فعلتُ كلّ شيء، أليس كذلك؟ هذا كلّ ما رأيتموه منّي، ولكن من منكم رأى عليّاً الحقيقيّ في هذه المدّة؟ من رأى عليّاً؟ لا بدنًا يصلّي في بستان النخيل، وكان عجيباً لكم عندما رأيتموني مغشيًّا عليّ ومطروحًا على الأرض، أبو الدرداء - على ما أظنّ - عندما رآني بهذه الحالة ذهب مسرعاً إلى بيت فاطمة الزهراء وقال لها: قومي، فقد مات زوجكِ! فقالت: ماذا حدث؟ قال: كنتُ في بستان النخيل، وإذا بي أسمع صوت مناجاة، فاقتربتُ فإذا هو عليّ، وبعد المناجاة سقط على الأرض، فنظرتُ إليه فإذا بدنه بارد، فجئتُ لأخبركِ. فقالت: هذا يحدث له كلّ ليلة!
- الكافي، ج ١، ص ٢٩٩: «وإنّما كنت جارًا لكم جاوركم بدني أيّامًا».
