
إضاءات على معركة بدر الخالدة
مناقب أهل البيت عليهم السلام ـ المحاضرة الثالثة
ما هي علّة انتقال الإنسان من الأسباب إلى مسبّب الأسباب؟ لماذا ورد الأمر بصلاة الحاجة؟ لماذا تحرّك المشركون صوب بدر؟ هل حالت قلّةُ عِدّة المسلمين وعُدّتهم دون تصدّيهم للكفّار في بدر؟ ما هي التضحية التي قدّمها أمير المؤمنين عليه السلام ليلة بدر؟ ما هو العمل الذي عكف عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أثناء معركة بدر؟ ما هي المبارزة التي حسمت معركة بدر؟ من هو فرعون الأمّة؟ وكيف جرى القضاء عليه؟ ما هي قصّة أسرى بدر لا سيّما العبّاس عمّ النبيّ؟ من هو فاتح بدر؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
إضاءات على معركة بدر الخالدة
5فقد تحرّك كفّار قريش لأجل القضاء على رسول الله والمسلمين؛ وحينما ذُكرت عنده أسماء صناديد قريش (أي الزعماء والرؤساء)، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم:
هذه مكّة، قد ألقت [إليكم] أفلاذ كبدها.۱
وقد كان عدد جنودهم يبلغ تسعمائة وخمسين رجلاً، ومعهم سبعمائة بعير، ومائة فرس؛٢ وكان من بينهم أبو سفيان، وأبو جهل، والوليد بن عتبة، وعُتبة، وشيبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأميّة بن خلف،٣ وعدّة آخرون؛ فقد كان هؤلاء من الذين عذّبوا الرسول الأكرم لسنوات مديدة في مكّة والطائف وحين هجرته من مكّة إلى المدينة.٤
فكانوا أشخاصًا عجيبين جدًّا؛ لا سيّما أميّة بن خلف، وأبو جهل الذي قال عنه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:
«لكلِّ أمّةٍ فرعون، وفرعونُ هذه الأمّةِ أبو جهل».٥
فقد توجّهوا صوب المدينة لمحاربة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ولم يكن عُتبة راضيًا بالمجيء إلى المدينة وقتال الرسول، ولو أنّه كان من معارضيه؛ لكنّه كان يخاف الحرب، ولم ير فيها أيّ يُمن بالنسبة إليه؛ فكان يتعلّل بعدم إمكانيّة السفر، وبمواجهتهم لبعض الموانع.
فأوقد أبو جهل وحكيم بن حزام مجمرة، وأخذا لباسهما الداخليّة، وجاءا بها إلى منزله، وأشعلا مقدارًا من الحرمل والعود، وقالا له [ما معناه]:
لقد قعدتَ في البيت كالنساء، وعليك أن تُعطّر نفسك بالعود مثلهنّ؛ فقد أضحيت جليس منزلك، فينبغي أن نحضر لك المجمرة والنار والحرمل! انهض أيّها الرجل، فأنت من شجعان العرب! هل خفتَ محمّدًا؟!٦
وباختصار، فقد جهّزوا الجيش بشكل كامل؛ وكانوا ينحرون كلّ يوم عشرة بعير، ويجعلون في كلّ يوم نفقة الجيش على واحد من سادة قريش، بحيث صار مجموع الذين تصدّوا لهذه النفقة تسعة رجال؛ منهم العبّاس عمّ النبيّ الذي كان أيضًا من كبار قريش، وتوجّه لقتاله صلّى الله عليه وآله وسلّم.۷
فتحرّك الجيش؛ وكان عُتبة وشيبة أخوين، ومن سادة قريش، وشجعانها، ورجالها المعروفين الذين قلّ نظيرهم؛ وكان لديهما غلام اسمه عدّاس، فقال لهما: «إلى أين أنتما ذاهبان؟»؛ قالا: «نريد الذهاب لقتال محمّد».
قال [ما مضمونه]:
وا ويلتاه! أ تقاتلان محمّدًا؟! ما أقبح ما تُقدمان عليه! وما أخطأ ما تفعلانه! فإن كان محمّد يريد الحكم والسلطة، فانضويا تحت لوائه، وستصيران سادةً للعالم؛ وإن كان نبيًّا، فهل تُريدان قتال نبيّ الله؟! وعلاوةً على ذلك، فإنّ محمّدًا من قومكما وعشيرتكما؛ فهو من قريش وأنتما أيضًا من قريش، وتصله بكما علاقة رحميّة؛ وهو من أبناء عمومتكما، ولم يرتكب ذنبًا، أو يقترف خيانةً! وأنتما تُريدان التوجّه لقتله؛ فما الذي سيقوله الناس حينئذ؟ سيقولون: «لقد ساروا بالجيش، وتوجّهوا من مكّة إلى المدينة التي يوجد بها رجل صادق يدّعي النبوّة، فقتلوه وأصحابه، ورجعوا!»؛ وهذا العمل سيجلب لكما العار؛ فلا تُقدما عليه!
- المغازي، ج ۱، ص ٥٣.
- الكامل، ج ٢، ص ۱۱۸.
- تاريخ الطبريّ، ج ٢، ص ٤٣۷.
- تاريخ الطبريّ، ج ٢، ص ٣٤٣؛ الكامل، ج ٢، ص ۷۰؛ راجع: نور ملكوت القرآن، ج ٤، ص ٢۸۷ ـ ٢٩٣.
- أنساب الأشراف، ج ۱، ص ۱٢٥.
- جاء في بعض المصادر أنّ هذه القضيّة وردت في حقّ أميّة بن خلف الذي تخلّف عن الحرب، فجاءه أبو جهل وعقبة بن أبي معيط بمجمرة يبخّرانه...؛ وأمّا حكيم بن حزام وعتبة وشيبة، و...، فكانوا من الذين لم يرغبوا في التوجّه للقتال. (الكامل، ج ٢، ص ۱۱۷؛ أنساب الأشراف، ج ۱، ص ٢٩۱؛ المغازي، ج ۱، ص ٣٥ ـ ٣۷). المحقّق
- البداية والنهاية، ج ٣، ص ٢٦۰.
