
موقعنا أمام الله
الثقافة والرياضة في الإسلام
تتناول هذه المحاضرة محورين: الأول: العبوديّة ويجيب فيه عن أسئلة أهمّها: ما هو موقعنا الحقيقيّ أمام الله؟ وكيف يجب أن يكون دعاؤنا وخطابنا له؟ وما هي آداب العبوديّة؟ الثاني: الثقافة والرياضة ويجيب فيه عن أسئلة أهمّها: ما هي أولويّات الثقافة الإسلاميّة وأنواع الرياضة التي يجب أن يربّى عليها المجتمع الإسلاميّ لملء أوقات الفراغ؟ وما هو الموقف من شدّة الاهتمام بكرة القدم وبذل الأوقات والأموال الطائلة عليها؟ كيف يجب أن يقدّم المجتمع الإسلاميّ نفسه إلى سائر المجتمعات؟ كما تتعرّض أثناء بيان ذلك إلى موقف العرفاء من الحروب الدفاعيّة.
موقعنا أمام الله
16يقال إنّ رجلاً جاء إلى أحد العلماء وقد توفّي الآن وكان من المراجع فقال له: لقد رأيت هذا المنام. فقال له: أنا لست مفسّر أحلام. وهو يقول الحقّ، فهو لا يفسّر الأحلام، فما قرأه لم يكن فيه تفسير الأحلام. ففسّره أحد الحاضرين في ذلك البيت وقال له: إنّ فلانًا يريد أن يهاجمك، فأنت لديك هذا العدوّ فكن حذرًا. فجاء إليّ فقلت له: إنّ منامك هذا لا علاقة له بذلك، هذه الرؤيا تحكي عن نفسك أنت، أنت تقوم بهذا العمل وعليك من الغد أن تتركه! فاختطف لونه. قلت له: انظر ما صلته بذاك؟ ما علاقته بهذا الأمر؟ هذه المسألة مسألة نفسيّة. فهي لم تكتب في وسائل الشيعة، لا في كتاب الحجّ ولا كتاب الصلاة ولا كتاب الزكاة للمرحوم الشيخ آقا رضا الهمداني وصاحب الجواهر، لقد جاء هؤلاء بالروايات، روايات الأحكام جزاهم الله خيرًا، ورفع درجاتهم، وذاك فنّ وهذا فنّ آخر، ولا صلة بينهما أصلا. فلو طرحت على صاحب الجواهر أمرًا كهذا فماذا سيقول لك؟ سيقول لك: أنت كافر ومرتدّ، وهو يقول حقًّا في النهاية، لا يدرك ما تقول، لم يكن ذلك فنّه الخاصّ، لا يفهمه، لم يكن من تخصّصه، كان على الحلاّج أن يقول كلامه ذاك لمن؟ كان عليه أن يتوجّه نحو المتخصّص في هذا الفنّ، والذي خطا خطوات واسعة فيه، بذل فيه مهجة قلبه، أمضى سنوات طوال في البكاء والمناجاة والابتهال وبالعمل بالبرامج، وجعل نفسه تحت تربية الأعاظم ومراقبة الأولياء وسلّم لهم، سلّم لهم حتّى أضاءت نافذة المعنى على قلبه وصار قلبه مستنيرًا يدرك الحقائق التي لم يكن يدركها قبل ذلك، فأخبره بالسرّ فإذا أخبرته به لم يجده سرًّا بل كان أمرًا معتادًا. الآن ماذا يحتوي هذا الكوب؟ إنّه ماء، وهذا ليس سرًّا والجميع يعلمه، وليس بالأمر الذي يستحقّ أن يكتم.
كيف يجب نخاطب الله؟
يقول الإمام السجّاد عليه السلام: هل أدركتم الآن الواقع الذي أنتم فيه؟ هل أدركتم الآن الواقع الذي نحن فيه؟ وهل عرفت كيف تقف بين يدي الله إذا أردت أن تخاطبه؟ لا تخاطبه على أنّك صاحب حقّ، بل «بلسان قد أخرسه ذنبه»، اعلم أنّك تتكلّم مع الله بلسان قد كذب آلاف الكذبات، فاحذر! تقول: لم يكذب. يأتي الله ويقول لك: أنت تدعوني بلسان عندما تريد أن تتكلّم مع الزبون فإنّك توجّهه إلى ما تريد أن تبيعه إيّاه من البضائع، أتقول لا؟! يقول الله لك: أنت تدعو الله بلسان عندما تريد أن تتكلّم مع رفيقك تتكلّم بطريقة بعيدة عن الواقع! تتكلّم بطريقة تحفظ موقعك عن الخطر، بهذا الكلام تدعو الله! لا بذلك اللسان الذي هو من ألسنة الذين كشفت عنهم الحجب العميّة۱ والتي ينبغي الحديث عنها يومًا ما إن شاء الله، فحقًّا عجيبة تلك القلوب التي كشفتَ يا الله عن أعينها الحجب وهم يكلّمونك بأسرار وجودك وبحقيقتك الربطيّة التي لم يعد يمكن لغطاء الكثرة أن يخرجها من صفائها ونقائها وعالم طهارتها، فهذا كلام أمير المؤمنين.
- بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٣۰، نقلًا عن إثبات الوصيّة للمسعودي: سبحانك أيّ عين تقوم نصب بهاء نورك و ترقى إلى نور ضياء قدرتك؟ و أيّ فهم يفهم ما دون ذلك؟ إلّا أبصارٌ كشفتَ عنها الأغطية وهتكت عنها الحجب العميّة، فَرَقَتْ أرواحها إلى أطراف أجنحة الأرواح فناجَوك في أركانك و ولجوا بين أنوار بهائك، و نظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسمّاهم أهل الملكوت زوّارًا، ودعاهم أهل الجبروت عمّارًا.
