
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
مناقب أهل البيت عليهم السلام ـ الجلسة الثانية
ما هي حقيقة المعجزة؟ وكيف تصدر من النبيّ؟ كيف انتقلت حقيقة مقام النبيّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام؟ ما هي الأشياء التي ورثها الإمام عليّ عليه السلام من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ كيف ينظر الإمام عليّ عليه السلام للحكومة؟ أيّة معاناة قاساها أمير المؤمنين من العدوّ الداخليّ؟ ما هي الحوادث المرافقة لاستشهاده عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
9رؤية الإمام عليّ عليه السلام للحكومة
كان أمير المؤمنين عليه السلام مارًّا من مدينة الأنبار، فنزل في خيمته، فجاء عظماؤها ورؤساؤها وشيوخها لرؤيته عليه السلام، حيث ظلّوا ينتظرون خارج الخيمة، لكي يأذن لهم بالدخول، أو يأتي بنفسه عندهم إلى الخارج، لكي يلتقوا به، غير أنّه بقي عليه السلام جالسًا وسط الخيمة يخصف نعله؛ فمرّت مدّة من الزمان، إلى أن جاء ابن عبّاس، وقال له [ما معناه]:
يا عليّ، لماذا أنت جالس؟! أقسم بالله أنّه إذا قُمتَ، وأصلحتَ أمورنا، لكان ذلك خيرًا من خصفك لهذا النعل؛ فقُم لكي ترى أنّ جميع العظماء قد أتوا، وهم ينتظرون قدومك المبارك!
فلم يلتفت أمير المؤمنين بتاتًا لكلام ابن عمّه، واستمرّ في خصف نعله؛ وحينما انتهى من ذلك، وضع نعليه بحذاء بعضهما، وقال:
ما قيمة هذه النعل؟
فقال ابن عبّاس:
دِرهمٌ أو أقلّ!
فقال عليه السلام:
«والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أقيم حقًّا أو أدفع باطلاً».۱
لقد كان هؤلاء يخالون أنّ أمير المؤمنين يريد حكم الناس انطلاقًا من الحكومة المادّية والأمور المادّية الشكليّة؛ في حين أنّ الأمر ليس بهذا النحو؛ لأنّ حكومته إلهيّة، وإلاّ، لو لم تكن إلهيّة، فأيّة قيمة ستحظى بها عنده عليه السلام؟!
كانت هناك جماعة من الناس حاضرة عند أحمد بن حنبل العالم السنّي الكبير الذي يُعدّ من أئمّة السنّة الأربعة، فبدأ الجميع يثنون على بعض الخلفاء، إلى أن وصل الدور إلى أمير المؤمنين.
فقالوا: ألا يُثني أحدكم على عليّ بن أبي طالب؟
فرفع أحمد بن حنبل رأسه، وقال [ما مضمونه]:
لا يحتاج عليّ إلى المدح والثناء، فهو بنفسه يتحدّث عن نفسه؛ والذي يمدحه إنّما يمدح نفسه بواسطة هذا المدح، ولا يمدح عليًّا؛ لأنّه فوق المدح والثناء. فحينما بلغ بقيّة الخلفاء مقام الخلافة، تزيّنوا بها؛ وأمّا عليّ، فإنّه حينما صار خليفة، فليس فقط أنّه لم يتزيّن بهذه الخلافة، بل إنّه هو الذي زيّنها.٢
فأولئك سعوا إلى ترميم نقاط ضعفهم عن طريق الخلافة؛ في حين أنّ الإمام عليّ هو الذي رمّم بوجوده المبارك والمقدّس جهات النقص في الخلافة؛٣ فعليّ لا يحتاج لأيّ مدح أو ثناء، بل إنّ نداءه صادح في السماوات، وفي عالم الملكوت، وفي الأرض، بحيث أينما ذهبتم وبحثتم في هذه الدنيا، ستجدون أنّ شعاع نوره هو الساطع.
- الإرشاد، ج ۱، ص ٢٤۷؛ منتهى الآمال، ص ۱۰٩، مع اختلاف يسير في اللفظ,
لمزيد من الاطّلاع على هذه المسألة، راجع: أنوار الملكوت، ج ٢، ص ۷٤. - تاريخ بغداد، ج ۱، ص ۱٤٥:
«أخبَرَني عبد الله بـن أحمد بـن حنبل قال: كنتُ بيـن يدي أبي جالسًا ذات يوم، فجاءت طائفــةٌ من الكرخيّين، فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر بن الخطّاب وخلافـة عثمـان بـن عفّان، فأكـثروا، وذكــروا خلافــة عليّ بن أبي طالـب، وزادوا فأطالوا؛ فرفـع أبي رأسه إليهم، فـقال: "يا هؤلاء، قـد أكـثرتم فــي عليّ والخلافـة، والخلافـة وعليّ؛ إنّ الخلافـة لم تُزيّن عليًّا، بـل عـليٌّ زيّنها"».
تاريخ دمشق (ابن عساكر)، ج ٤٢، ص ٤٤٦؛ المنتظم، ج ٥، ص ٦٢.
راجع: معرفة الإمام، ج ٢، ص ٣٢ (اجتماع الأضداد في أمير المؤمنين عليه السّلام). - الفقرة التالية عبارة عن تفسير ابن أبي الحديد (في شرحه لنهج البلاغة، ج ۱، ص ٥۱) لكلام أحمد:
«وهذا الكلامُ دالٌّ بِفحواه ومفهومه على أنَّ غيرَه ازدانَ بالخلافة وتَمَّمَت نقصَه، وأنَّ عليًّا عليه السّلام لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يُتَمَّم بالخلافة، وكانت الخلافةُ ذات نقصٍ في نفسها فتمَّ نقصُها بِولايته إيَّاها».
- الإرشاد، ج ۱، ص ٢٤۷؛ منتهى الآمال، ص ۱۰٩، مع اختلاف يسير في اللفظ,
