
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
مناقب أهل البيت عليهم السلام ـ الجلسة الثانية
ما هي حقيقة المعجزة؟ وكيف تصدر من النبيّ؟ كيف انتقلت حقيقة مقام النبيّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام؟ ما هي الأشياء التي ورثها الإمام عليّ عليه السلام من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ كيف ينظر الإمام عليّ عليه السلام للحكومة؟ أيّة معاناة قاساها أمير المؤمنين من العدوّ الداخليّ؟ ما هي الحوادث المرافقة لاستشهاده عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
4فتلك المنحة التي صدرت من الله تعالى، وجعلت من أمير المؤمنين وصيًّا لنبيّ آخر الزمان ـ بحيث يتعيّن على جميع أفراد الأمّة إلى يوم القيامة اتّباعه والانضواء تحت لوائه ـ ليست عنوانًا شكليًّا، بل هي عبارة عن سعة روحيّة شملت جميع الناس؛ وهي تستقي الفيض الربّاني من مقام الملكوت الأعلى، لتوصله إلى عالم الوجود؛ ولهذا، فإنّ الروايات الواردة عن النبيّ الأكرم في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام عجيبة جدًّا.
فقد كان الإمام عليّ عليه السلام يُرافق المؤمنين في أحد الأسفار التي توجّهوا فيها لأجل القيام بغزوة؛ وحينما رجع الأصحاب من هناك، اشتكوا أمير المؤمنين إلى رسول الله بأنّه كان يقرأ طيلة هذا السفر في كلّ صلواته سورة التوحيد بعد قراءته لسورة الحمد؛ أي كان يقرأ سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؛۱ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم:
«دَعوا عَلِيًّا، فَإنَّ عليًّا مَمسوسٌ في ذاتِ اللهِ».٢
أي أنّ عليًّا مجنون بالله تعالى، وفانٍ في ذاته، وحسابه مختلف عن حساب الآخرين؛ فلا يمسّه أيّ عيب، ولا يلحقه أيّ ذمّ؛ وهو بنفسه صاحب الولاية، والمحامي عن الدين والشريعة والقرآن.
وفي حادثة أخرى، جاؤوا ثانيةً عند الرسول الأكرم، ليشكوا إليه أمير المؤمنين؛ فاستاء النبيّ كثيرًا؛ ثمّ أتى المسجد، وألقى خطبة جاء فيها:
«أيّها الناسُ لاتَسُبُّوا عَلِيًّا، فَإِنَّ عَلِيًّا لَأَخشنُ في ذاتِ اللهِ»٣و٤ «ارفعوا أيديكم عن عليّ؛ فإنّ أفكاركم لن تبلغ مقاماته، ولن يصل فكركم المحلّق إلى أصغر درجة من درجاته؛ فقد صار عليّ شديدًا ومتصلّبًا في ذات الله، حيث تخطّى كافّة الدرجات والمقامات المُعيَّنة للمؤمنين، وتجاوز جميع الجنّات والأسماء والصفات، واستقرّ في حرم الله تعالى».
وورد في رواية أخرى:
«... مَخشونٌ في ذاتِ اللهِ»؛٥ «أي أنّه صار فانيًا في ذات الله، ومتصلّبًا وثابتًا وراسخًا في هذا الفناء، إلى درجة أنّه لا يُمكن لأيّ زلزال أو إعصار أو صاعقة أن تُحرّك أيّة مرتبة من مراتبه عليه السلام».
وجاء في روايات نقلها السنّة والشيعة بأجمعهم أنّ الرسول الأكرم ضرب خلف كتف أمير المؤمنين عليه السلام مرارًا وتكرارًا، وقال له:
- سورة الإخلاص، الآية ۱.
- حِلية الأولياء، ج ۱، ص ٦۸: «لا تَسُبُّوا عَلِيًّا فَإنَّه مَمسوسٌ في ذاتِ اللهِ تعالى».
جاءت هذه العبارة النبويّة: «فإنّه ممسوسٌ... إلخ» جوابًا عن شكوى بعض الأصحاب من كيفيّة تقسيم الغنائم؛ وأمّا بالنسبة لكيفيّة قراءة أمير المؤمنين عليه السلام، فقد وردت في الإرشاد، ج ۱، ص ۱۱٦ فقط؛ وذلك بالنحو الآتي:
«فَقالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لِبَعضِ مَن كانَ مَعَهُ فِي الجَيشِ: "كَيفَ رَأيتُم أمِيرَكُم؟"، قالُوا: "لَم نُنكِر مِنهُ شَيئًا إلّا أنَّهُ لَم يؤُمَّ بِنا فِي صَلاةٍ، إلّا قَرَأ بِنا فِيها بِـ {قُل هُوَ اللهُ أحَدٌ}"، فَقالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "سَأسألُهُ عَن ذَلِكَ"؛ فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "لِمَ لَم تَقرَأ بِهِم في فَرائِضِكَ إلّا بَسُورَةِ الإخلاصِ؟"؛ فَقالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، أحبَبتُها". قالَ لَهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "فَإنَّ اللهَ قَد أحَبَّكَ كَما أحبَبتَها"، ثُمَّ قالَ لَهُ: "يا عَلِيُّ، لَولا أنَّني أُشفِقُ أن تَقُولَ فِيكَ طَوائِفُ ما قالَتِ النَّصارَى فِي عِيسَى ابنِ مَريَمَ، لَقُلتُ فِيكَ اليَومَ مَقالاً لا تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنهُم إلّا أخَذُوا التُّرابَ مِن تَحتِ قَدَمَيك!"»؛ لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ٦، ص ٦۷ ـ ۷٢. - ينابيع المودّة، القندوزيّ، ج ٢، ص ۱۸۷:
«وعن أبي سعيد: خَطَبَنا النبيُّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم وقال: "أيّها الناسُ، لا تَشكوا عَليًّا! فَوَ اللهِ إنّه لَأَخشنُ في ذاتِ اللهِ!" أخرجه أحمد»؛ ومصادر أخرى.
لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ٦، ص ٦۷ ـ ۷٢. - بحار الأنوار، ج ۱۰۷، ص ٣۱.
- معرفة الإمام، ج ٦، ص ٦۸:
«نقل في «ينابيع المودّة» طبعة إسلامبول سنة ۱٣۰۱ ه، ص ٢۱٦ هذه العبارة بتخريج أحمد بن حنبل، وقال: وعن كعب بن عُجْرة مرفوعًا: "إنَّ عَلِيًّا مَخْشُونٌ في ذَاتِ اللهِ تَعالَى"*».
* جاء في الينابيع (طبعة أسوة): "مخشوشن"؛ كما ورد أيضًا في إحقاق الحقّ (للشوشتريّ)، ج ٢۰، ص ٢٤۷:
«... منها حديث كعب بن عجرة رواه جماعةٌ من أعلام العامّة في كتبهم، منهم العلاّمة حسام الدين المرديّ الحنفيّ في آل محمّد، ص ۱٢٥، نسخة مكتبة السيّد الأشكوريّ، قال:
روى الإمام أحمد بن حنبل في المناقب وأخرجه أبو عمر، هما بالإسناد عن كعب بن عجرة وعن ابن عبّاس مرفوعًا: "أنّ عليًّا مخشونٌ في ذاتِ الله"». المحقّق
