
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
مناقب أهل البيت عليهم السلام ـ الجلسة الثانية
ما هي حقيقة المعجزة؟ وكيف تصدر من النبيّ؟ كيف انتقلت حقيقة مقام النبيّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام؟ ما هي الأشياء التي ورثها الإمام عليّ عليه السلام من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ كيف ينظر الإمام عليّ عليه السلام للحكومة؟ أيّة معاناة قاساها أمير المؤمنين من العدوّ الداخليّ؟ ما هي الحوادث المرافقة لاستشهاده عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام قوام الشريعة وزينة التاريخ الإسلاميّ
11«وَلَقَد مَلَأتُم صَدري قَيحًا»؛۱
فكلّما دعوتكم إلى الجهاد، قلتم: «البرد قارس، فاصبر حتّى يعتدل الجوّ»؛ ثمّ دعوتكم مرّة أخرى، فقلتم: «الجوّ حارّ، فاصبر حتّى يتغيّر قليلاً»؛ فاليوم تقولون: «لقد أينع تمرنا»، وغدًا تقولون: «نريد تخزين [الطعام]»، وكلّ يوم تأتون بعذر جديد.
«فَوَ اللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا وقَد ذَلُّوا».٢
قوموا، وتحرّكوا في سبيل إحياء الإسلام، والقضاء على هذا الرجل المنكوس (معاوية) الذي لا همّ له إلاّ الرئاسة والتسلّط على أعناق الناس!
فقام الإمام عليه السلام بتشكيل جيش، وسار بالناس، غير أنّ هؤلاء لجؤوا بأنفسهم إلى معارضته، والتشكيك في أمره؛ فكانوا يأمرون إمامهم، ويقولون: «يا عليّ، تقتضي المصلحة اليوم أن تفعل كذا! يا عليّ، لا تقم اليوم بالفعل الفلانيّ! يا عليّ، لا ينبغي علينا التحرّك من هنا! يا عليّ، أخّر هذه الحرب إلى أن يمرّ شهر واحد! يا عليّ، الآن هو الوقت المناسب لعقد الصلح! لقد رفع معاوية القرآن على رؤوس الرماح، فتعال، وصالحه، وإلاّ سنُقطّعك بسيوفنا إربًا، إربًا!».٣
إنّ العدوّ الداخليّ هو أكبر مصيبة، حيث كان أمير المؤمنين يئنّ الليالي الطوال وسط النخيل من هذا النوع من الأعداء، ويقول [ما معناه]:
إلهي، كم تحمّلت الأذى من هذه الأمّة التي أرهقتني؛ فهم بالضبط كالنساء اللواتي تجلسن وسط الحجال، وتُجمّلن أنفسهنّ؛ فهؤلاء الرجال هم أيضًا يُحبّون الجلوس في بيوتهم، وعدم الخروج من أخدارهم، ولا يرغبون في الدفاع عن حقوقهم، ولا بالقيام بأيّة خطوة في سبيل حياة دينهم وحرمته، وكيان شريعتهم ومذهبهم.٤
وقد ازدادت معاناة أمير المؤمنين عليه السلام يومًا بعد يوم،٥ إلى أن جهّز جيشًا من مائة ألف رجل بقيادة عشرة من كبار أصحابه وأبنائه، حيث جعل الإمام الحسن على عشرة آلاف، والإمام الحسين على عشرة آلاف، ومحمّد بن الحنفيّة على عشرة آلاف، وقيس بن سعد بن عبادة على عشرة آلاف، و...؛ لكي يُغيروا بهذا النحو، من أجل القضاء على معاوية، وتطهير الأرض من هذا الجسم المنكوس والرجل المنحوس الذي سعى إلى قلب الإسلام وتغيير تاريخه.
الحوادث المرافقة لاستشهاد أمير المؤمنين
- نهج البلاغة، ج ۱، ص ۷۰.
- المصدر نفسه، ص ٦۸.
- وقعة صفّين، ص ٤٩۰:
«فَجاءَهُ زُهاءُ عِشرِينَ ألفًا مُقَنِّعِينَ فِي الحَدِيدِ شاكِي السِّلاحِ، سُيُوفُهُم عَلَى عَواتِقِهِم وقَدِ اسوَدَّت جِباهُهُم مِنَ السُّجُودِ يتَقَدَّمُهُم مِسعَرُ بنُ فَدَكِيّ وزَيدُ بنُ حُصَينٍ وعِصابَةٌ مِنَ القُرّاءِ الَّذِينَ صارُوا خَوارِجَ مِن بَعدُ، فَنادَوهُ بِاسمِهِ لا بِإمرَةِ المُؤمِنِينَ: "يا عَلِيُّ، أجِبِ القَومَ إلَى كِتابِ اللهِ إذ دُعِيتَ إلَيهِ، وإلّا قَتَلناكَ كَما قَتَلنا ابنَ عَفّانَ؛ فَوَ اللهِ لَنَفعَلَنَّها إن لَم تُجِبهُم"؛ فَقالَ لَهُم: "وَيحَكُم، أنا أوَّلُ مَن دَعا إلَى كِتابِ اللهِ، وأوَّلُ مَن أجابَ إلَيهِ؛ ولَيسَ يحِلُّ لِي، ولا يسَعُنِي فِي دِينِي أن أُدعَى إلَى كِتابِ اللهِ، فَلا أقبَلَهُ؛ إنِّي إنَّما أُقاتِلُهُم لِيَدِينُوا بِحُكمِ القُرآنِ؛ فَإنَّهُم قَد عَصَوُا اللهَ فِيما أمَرَهُم، ونَقَضُوا عَهدَهُ، ونَبَذُوا كِتابَهُ؛ ولَكِنِّي قَد أعلَمتُكُم أنَّهُم قَد كادُوكم، وأنَّهُم لَيسُوا العَمَلَ بِالقُرآنِ يرِيدُونَ". قالُوا: "فابعَث إلَى الأشتَرِ لِيَأتِيَكَ"؛ وقَد كانَ الأشتَرُ صَبِيحَةَ لَيلِ الهَرِيرِ قَد أشرَفَ عَلَى عَسكَرِ مُعاوِيَةَ لِيَدخُلَهُ». - نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ٦۸؛ ولمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٣٦۸ ـ ٣٦٩.
- نور ملكوت القرآن، ج ٣، ص ٢٥٣:
ولقد خطب عليه السلام في آخر اسبوع من عمره الشريف خطبةً كانت آخر خطبه، قال فيها.
«"أيْنَ إخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، ومَضَوْا على الحَقِّ؟ أيْنَ عَمَّارٌ؟ وأيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وأيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وأيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا على المَنِيَّةِ؟ وأبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إلى الفَجَرَةِ؟!".
ثُمَّ ضَرَبَ على لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ، فَأطَالَ البُكَاءَ؛ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
"أوْهِ على إخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا القُرْآنَ فَأحْكَمُوهُ، وتَدَبَّرُوا الفَرْضَ فَأقَامُوهُ؛ أحْيَوُا السُّنَّةَ وأمَاتُوا البِدْعَةَ؛ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأجَابُوا ووَثِقُوا بِالقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ".
(ثُمَّ نَادَى بِأعْلَى صَوْتِهِ): «الجِهَادَ، الجِهَادَ عِبَادَ اللهِ! ألَا وَإنِّي مُعَسْكِر في يَوْمِي هَذَا؛ فَمَنْ أرَادَ الرَّوَاحَ إلى اللهِ، فَلْيَخْرُجْ.
قَالَ نَوْفٌ: "وَعَقَدَ لِلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ في عَشْرَةِ آلَافٍ، ولِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللهُ في عَشْرَةِ آلَافٍ، ولأبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ في عَشْرَةِ آلَافٍ، ولِغَيْرِهِمْ على أعْدَادٍ اخَرَ، وهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلى صِفِّينَ؛ فَمَا دَارَتِ الجُمُعَةُ حتى ضَرَبَهُ المَلْعُونُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللهُ، فَتَرَاجَعَتِ العَسَاكِرُ؛ فَكُنَّا كَالأغْنَامِ فَقَدَتْ رَاعِيهَا تَخْتَطِفُهَا الذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ"».
