
الإمامةُ مرآة النبوّة والنبوّةُ مرآة الذات الإلهيّة
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة العاشرة
على ضوء بعض الفقرات المنتخبة مِن دعاء الافتتاح، بَيّنَ سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) بعض الخصائص الخاصّة بالإمام علِيّ، واستشرق معنى الكمال مِن صفة (النبأ العظيم)، وبيّن حقيقة مقامات العبوديّة والنبوّة والإمامة والذات المقدّسة وكيفيّة ترتّبها وارتباطها. ثمّ بيّن خصائص السيّدة الزهراء والإمامين الحسن والحسين، ونبّه على شموليّة إمامة الأئمّة الإثني عشر، موضّحًا حقيقة اسم الإمام المهديّ ودلالتها. ولفت إلى الإحكام في صنع الله للمعصومين وتربيته لهم وتطهيرهم وجعلهم حججًا مِن حيث إنّهم مُنجِين، ومُنجِين مِن حيث إنّهم أمناء، وكلّ ذلك مِن حيث إنّهم هداة، وهداة مِن حيث إنّهم مهديّين. كما أشار إلى معاني (المُنجي) و (القائم) و (الإمام). وأوضح باقتضاب مَن هم الّذين سيحفّون بالإمام المهديّ ويؤيّدونه.
الإمامةُ مرآة النبوّة والنبوّةُ مرآة الذات الإلهيّة
7وعلى هذا، يكون أمير المؤمنين آيةً، كما أنّ النبيّ آيةٌ، وهو الآية الّتي لا يستطيع أحدٌ أن يراها غير أمير المؤمنين. فهل الوصول إلى مقام النبيّ عملٌ سهلٌ؟! وهل يمكن للجميع أن يعرف النبيّ؟! إنّ النبي عبارة عن المقام الّذي يتنزّل فيه القرآن، فحتّى لو قال للناس: يا أيّها الناس، عليكم أن تؤمنوا بالقرآن وبي، وقالوا له: سمعًا وطاعة، إلّا أنّ هذا وحده غير كافٍ ليعرفوا النبيّ.
إنّ النبيّ يقبل كلَّ مَن قال (آمنتُ)، وإن كان القائل منافقًا في باطنه، لأنّ عمل النبيّ مبنيّ على ذاك الأساس، غير أنّ النبيّ لا يعرفه سوى أمير المؤمنين۱، فأمير المؤمنين هو الوحيد الّذي يعرف النبيّ، كما أنّ الحقائق الّتي تصدر عن النبيّ تدخل مرحلة التفصيل على يدي أمير المؤمنين، فيعرف المنافق فيعزله، وهذا ما لم يكن النبيّ يفعله لأنّه غير مُكلّف بهذه المهمّة، بل قد أُوكِلت هذه المهمّة إلى أمير المؤمنين؛ فالولاية تشبه المحكّ الّذي يعزل كلّ شيء يمسّه.
قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا عليّ، أنا قاتلتُ على التنزيل، وأنت تقاتلهم على التأويل٢. وهنا مباحث مفصّلة في معنى التنزيل والتأويل، وفي حقيقة القرآن وظاهره، وفي العلوم الّتي كُفِّل أمير المؤمنين بتفصيلها، والعلوم الّتي كُفِّل النبيّ بها.. ويمكن أن نُجمل القول بأنّ أمير المؤمنين هو تلميذ النبيّ، وهو يفتخر بذلك.
غير أنّ البعض لم يفهم هذا الأمر، ولذا تراهم يرفعون مقام أمير المؤمنين ويجعلونه أعلى مِن مقام النبيّ، فيقولون: علِيّ هو ذلك الرجل الّذي قال له النبيّ عندما أراد أن يُسقط الأصنام عن ظهر الكعبة: اصعد على كتفي يا علِيّ. فصعد علِيّ واضعًا قدمه على خاتم النبوّة، فصار خاتم النبوّة تحت قَدم علِيّ، فهذا هو مقام علِيّ!
ولكن هل هذا النوع مِنَ الاستدلال صحيح؟! لو كان صحيحًا، لكان مقام الطفل أعلى مِن مقام الرجل الّذي يحمله على يديه! عندما وقف النبيّ ذلك الموقف، فهو إنّما كان يقول: أنا الركيزة والعمود، فتعال واصعد على كتفي وكسّر الأصنام، يا عليّ؛ أي إنّ قِوامك بي، وقِوام هذه الكعبة بي، وقِوام إزالة الأصنام بي.
- روضة المتّقين، الشيخ محمّد تقي المجلسي، ج۱٣، ص٢۷٣.
- رياض الأبرار، السيّد نعمة الله الجزائري، ج٣، ص٢۰۰؛ نور ملكوت القرآن، سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج٣، ص٢٩۷.
