انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه

شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الثامنة

0
الجلسات

تمحورت هذه المحاضرة حول فقرة مِن دعاء الافتتاح، لم تخل الآيات والروايات مِن مفادها، وهي «الَّذِي بَعُدَ فَلا يُرى وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى». والحقّ أنّه مطلب توحيديّ لا يخلو مِن صعوبة ودقة وعمق، إلّا أنّ سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) تكفّل الغوص في أعماقه ليُخرجه لنا صورة نيّرة يفقهها كلّ مَن ينظر إليها، فبسط أجنحتها ببيانٍ بسيط وتعبيرٍ سلسل وتمثيلٍ طريّ؛ وممّا استعان به لتقريب المطلب هو (أنا) الإنسان: فهي قريبة بحيث تشهده على الدوام، وبعيدة بحيث لا يمكن أن يُرى لها شكلٌ ورسمٌ، لا في وهمٍ ولا في خيالٍ. وكذلك هو الله تعالى: هو قريب بحيث أنّ كلَّ وجودٍ قائمٌ به، وبعيد بحيث لا تُدرِك كنهَه العقولُ. ثمّ ختم ببيان معنى إخفاء الذنوب وسترها ومعنى لقاء الله تعالى.

المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه

7
  • أنت تستطيع أن تقبض على إصبعك، ولكنّك لا تستطيع أن تقبض على شجاعتك، ولا على سخائك، فهي أمور لا يمكن أن يُمسَك بها. وهكذا هو الأمر مع الإنسان نفسه، فهو غير قابل للإمساك، وغير قابل للتصوّر، كأن يبحث عنه بفكره ويتصوّر حقيقته، فهو بعيدٌ جدًّا بحيث لا يمكن – مهما بذل مِن جهدٍ وركض خلفه – أن يصطاده وأن يُمسك بحقيقة شخصيّته، أو أن يحفظه في أصقاع الذهن وزوايا الفكر. إنّ هذا الأمر يشبه – إلى حدٍّ كبير – محاولة إمساك الهواء وجلبه؛ هل يوجد هواءٌ في هذا المسجد أم لا؟ لو لم يكن هناك هواءٌ لَمَا تمكّنّا مِنَ التنفّس، فهناك هواء إذن، غير أنّ هذا الهواء لا يمكن أن يُمسَك باليد، وهكذا الأمر بالنسبة للـ «أنا»، فهي ممّا لا يُمكن أن يصطادها الفكر أو الخيال.

  • فهذه الـ «أنا» إذًا مِنَ البُعد بحيث تكون «بَعُدَ فَلا يُرى»، وهي مِن جانبٍ آخر قريبةٌ جدًّا جدًّا بحيث لو سألت أيَّ إنسانٍ: مَن هو الأقرب إليك بين جميع الناس؟ لقال: نفسي. أليس هذا ما تقولونه؟ فمَن في هذا العالَم تستطيع أن تقول عنه إنّه أقرب إليك مِن حقيقتك؟! لا يمكن أن يكون الأب أقرب إلى الإنسان مِن حقيقته، وكذلك الأمّ والأخ والابن والزوجة والمال والرئاسة والمكانة، فجميع هذه الأشياء ترتبط بالإنسان بواسطة نفسه، أمّا نفس الإنسان فلا تحتاج إلى واسطةٍ لترتبط بالإنسان؛ إنّ كتاب الدعاء هذا محمول على الأرض بواسطة هذا الرَّحْل، أمّا الرَّحْل فليس قائمًا بالكتاب بل هو قائمٌ بنفسه.

  • بناءً على هذا، فالموجودات الّتي تتعلّق بالإنسان، إنّما ترتبط به عن طريق حقيقته، أمّا بالنسبة إلى حقيقة الإنسان نفسها المرتبطة به، فإنّ ارتباطها هذا هو ارتباط ذاتيّ، فهي بنفسها الواسطة والربط، والذاتيُّ لا يُعلَّل۱.

  • إنّ جميع ما تبذله مِن تضحيات وجهود، وكلّ ما تتحمّله مِن معاناة ومشاكل، إنّما هو لأجل هذه الـ «أنا»؛ فأنت تصلّي وتصوم وتعمل وتتعلّم وتقرأ القرآن مِن أجل أن تستفيد هذه الـ «أنا» مِن كلّ ذلك، فكم هي قريبة هذه الـ «أنا» منك؟ إنّ هذه الـ «أنا» مِنَ القرب بحيث إنّها تبقى حتّى لو قُطِعَتْ يدك وسقطت رِجْلك جانبًا وأُصِبْتَ بوجع في القلب أو نِمْتَ، بل حتّى لو مُتَّ فهذه الـ «أنا» باقية، وذلك لأنّها ملاصقة للإنسان بل هي نفسه.

    1. جاء في كتاب معرفة الله، للعلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ، ج٣، ص۱٥۱، ما يلي: عندما قال الحكماء: الذاتيّ لا يُعلَّل، فقولهم هذا يعني أنّه لا ينبغي البحث عن علّة وجود الأمور الّتي هي مِنَ الآثار واللوازم الّتي لا تنفكّ عن ذات الشيء، ولا يجب الاستقصاء عنها.‌