
المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الثامنة
تمحورت هذه المحاضرة حول فقرة مِن دعاء الافتتاح، لم تخل الآيات والروايات مِن مفادها، وهي «الَّذِي بَعُدَ فَلا يُرى وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى». والحقّ أنّه مطلب توحيديّ لا يخلو مِن صعوبة ودقة وعمق، إلّا أنّ سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) تكفّل الغوص في أعماقه ليُخرجه لنا صورة نيّرة يفقهها كلّ مَن ينظر إليها، فبسط أجنحتها ببيانٍ بسيط وتعبيرٍ سلسل وتمثيلٍ طريّ؛ وممّا استعان به لتقريب المطلب هو (أنا) الإنسان: فهي قريبة بحيث تشهده على الدوام، وبعيدة بحيث لا يمكن أن يُرى لها شكلٌ ورسمٌ، لا في وهمٍ ولا في خيالٍ. وكذلك هو الله تعالى: هو قريب بحيث أنّ كلَّ وجودٍ قائمٌ به، وبعيد بحيث لا تُدرِك كنهَه العقولُ. ثمّ ختم ببيان معنى إخفاء الذنوب وسترها ومعنى لقاء الله تعالى.
المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه
16إنّ آية ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ﴾۱، وآية ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعيدٌ ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقيبٌ عَتيدٌ﴾٢ الّتي تتحدّث عن عمل الملائكة وأنّ الله مِن وراهم، وآية ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾٣، كلّها تشير إلى هذا الموضوع.
فإن انكشفت للعبد – بمشيئة الله وببركة ذاته – حقيقة التوحيد، سيعلم عندها أنّ الله غير قابلٍ للرؤية، ولكن ما الّذي يستطيع أن يراه الإنسان عندها؟ لن يكون هناك وجود للإنسان لكي يرى الله بواسطته، فمَثَل مَن يُريد أن يرى الله مَثَل قشّة سقطت على سطح البحر وهي تريد أن ترى البحر، فمهما تبذل هذه القشّة مِن جُهد لن تستطيع أن ترى مِنَ الماء إلّا بمقدار ما سقطت عليه، فهل يمكنها أن ترى ما سواه؟!
إنّ البلبل الّذي في هذه الحديقة لا يستطيع أن يرى غير الوردة الّتي يحطّ عليها، فأنَّى له أن يرى حينئذٍ البستان الكبير الّذي يبلغ طوله مائة مليون فرسخًا! كذلك السمكة في البحر، فهي لا تستطيع أن تسبح إلّا في مقدار الحيّز المائيّ المحيط بها، فهي لا تستطيع أن تُحيط بالبحر كلّه. والديدان الصغيرة الّتي تتواجد على سطح المياه الراكدة، لا تستطيع أن تصل إلى قعر البحر أبدًا؛ يحصل أن يتجمّع مقدارٌ مِن ماء النهر على أطراف النهر فيركد هناك، أي إنّ الماء الجاري في وسط النهر قد يجد له زاوية مِن زوايا النهر فيستقرّ فيها، فتتواجد حيوانات صغيرة تسبح على هذا الماء الراكد، فتذهب في اتّجاه ثمّ تتوقف ثمّ تعود، وتذهب في هذا الاتجاه وذاك، هذه الحيوانات تُسمّى ديدان، فهل يمكن أن تصل هذه الديدان إلى قعر المحيط وتطّلع على ما فيه؟! كلّا، إذ هذه الديدان لا يمكنها السباحة إلّا على سطح الماء، فهي لا تستطيع أن تغطس سنتمترًا واحدًا، إنّها تعيش على سطح الماء، تَجري في هذا الاتجاه وذاك عسى أن تعثر على بعوضة لتصطادها.
- سورة ق (٥۰)، جزء مِنَ الآية ۱٦.
- سورة ق (٥۰)، الآيتان ۱۷ و ۱۸.
- سورة المجادلة (٥۸)، جزء مِنَ الآية ۷.
