انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه

شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الثامنة

0
الجلسات

تمحورت هذه المحاضرة حول فقرة مِن دعاء الافتتاح، لم تخل الآيات والروايات مِن مفادها، وهي «الَّذِي بَعُدَ فَلا يُرى وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى». والحقّ أنّه مطلب توحيديّ لا يخلو مِن صعوبة ودقة وعمق، إلّا أنّ سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) تكفّل الغوص في أعماقه ليُخرجه لنا صورة نيّرة يفقهها كلّ مَن ينظر إليها، فبسط أجنحتها ببيانٍ بسيط وتعبيرٍ سلسل وتمثيلٍ طريّ؛ وممّا استعان به لتقريب المطلب هو (أنا) الإنسان: فهي قريبة بحيث تشهده على الدوام، وبعيدة بحيث لا يمكن أن يُرى لها شكلٌ ورسمٌ، لا في وهمٍ ولا في خيالٍ. وكذلك هو الله تعالى: هو قريب بحيث أنّ كلَّ وجودٍ قائمٌ به، وبعيد بحيث لا تُدرِك كنهَه العقولُ. ثمّ ختم ببيان معنى إخفاء الذنوب وسترها ومعنى لقاء الله تعالى.

المعنى الحقيقيّ لقُربِ الله وبُعدِه

12
  • نعم، لا يمكن أن تغفل الذاتُ الإنسانيّة عن نفسها في أيّ وقت مِنَ الأوقات. قد يغفل الإنسان عن الموجودات الخارجيّة، فلا يفكّر فيها ولا يلتفت إلى أيّ شيء في هذا العالَم، وقد يغفل عن يده وأجزاء بدنه، أي قد يغوص في نفسه بالشكل الّذي ينسى فيه يده، بحيث لو قيل له: أين يدك؟ ستراه عاجزًا عن الإجابة على السؤال، فهو لا يعرف يمناه مِن يسراه. وقد يغوص الإنسان في نفسه بحيث ينسى جسمه، أو ينسى قواه الباطنيّة، مِن قبيل الحسّ المشترك والذاكرة والقوى التخيّلية؛ نعم، قد ينسى جميع ذلك، ولكنّه لا يستطيع أن ينسى حقيقته، وذلك لأنّها نفسه، والنفس الّتي تكون مع الإنسان دائمًا، هي غير قابلةٍ للانفصال عنه. فكم هي قريبة هذه الـ «أنا» مِن الإنسان في هذه الحالة؟ إنّها قريبةٌ منه بحيث لا نجد عبارة تساعدنا على الإجابة على هذا السؤال، لأنّه ما إن يقول الإنسان «أنا»، تكون حقيقة نفسه ووجودها قد ظَهر، فهذه الـ «أنا» عبارة عن حاصل أصل الوجود، وباقي الأشياء تتكوّن ببركتها ومتفرعة عنها.

  • عندما تتزيّن المرأة وتلبس لباسًا فاخرًا، وتضع قلادة مِنَ الأحجار الكريمة على عنقها، وأساور في يديها، وإكليلًا مِنَ الزهور على رأسها، وتتزيّن بأنواع الزينة، فهذه الزينة لها، ولكن هذه الزينة في مرتبة متأخّرة عنها، أمّا الأصل فهو عبارة عن نفسها، فلا بدّ أن تكون هي موجودةً لكي تلحق بها تلك الزينة.

  • إنّ اليد والعين والأذن وبقيّة الأعضاء هي ملحقاتٌ تلحق بالإنسان، أمّا نفس الإنسان فهي الأصل، ولمّا كانت النفس هي الأصل، فلا يمكن أن تنفصل عن ذات الإنسان أبدًا، على أنّ هذه الـ «الذات» موجودةٌ في جميع الموجودات ولها حقيقةٌ واحدة.

  • إنّ الجسد واليد والرجل والعين والأذن والطبيعة الحجريّة للحجر والطبيعة الترابيّة للتراب والفراش والجبل والباب والجدار والخروف والبقرة، جميع هذه الموجودات هي مِن لواحق وآثار الوجود، أمّا حقيقة الوجود وما هو مختصّ بأصل الوجود، فهي لنفس الوجود، ولا يمكنها أن لا تكون له، فلا يمكن أن نتصوّر انفكاكها عنه.

  • ثمّ إنّ حقيقة هذا الوجود قائمةٌ بالله، والله هو أقرب إلى كلّ موجود مِن نفسه. وأنا أقسم بأرواحكم العزيزة علَيَّ كثيرًا: أنّ الله العلِيُّ الأعلى هو أقرب إلينا مِن أنفسنا. فعندما يقول أحدنا «أنا»، فما مِن شيء أقرب إلى هذه الـ «أنا» [مِنَ الـ «أنا» نفسها]، ولكنّ الله هو قبل هذه الـ «أنا». وعليه، هل يمكن حينئذٍ أن ينطق الإنسان بكلامٍ دون أن يعرف به الله؟! وما معنى أن لا يعرف الله به حينئذٍ؟! فكيف للمرء أن يقول شيئًا ولا يكون الله حاضرًا عنده؟! فهو موجود قبل أنفسنا، وما أنفسنا ووجودنا إلّا متعلّقة به.