
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة السابعة
بيّن سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) أنّ الاعتدال والكمال في الصفات يكون بالجمع بينها، وغير ذلك نقص ظاهر؛ فالعِلم دون الحلم نقص، والقدرة دون العفو نقص، والشجاعة دون الحكمة نقص، والغضب دون الصبر نقص، فـ «الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ»، وبذلك بيّن هذه الفقرات مِن دعاء الافتتاح. ثمّ بسط البحث في إعجاز الله تعالى وإبداعه في خلقه وكيفيّة رزقه، وكيف أنّ خلقه وإبداعه ورزقه يشمل جميع الموجودات دون استثناء؛ فالخَلْق أعمّ مِن عالَم الخَلْق وعالَم الأمر، والرزق مائدة بُسِط فيها كلّ شيءٍ لكلّ شيءٍ دون استثناء.
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
9«باسِطِ الرِّزْقِ»؛ قد مدّ [اللهُ] لعباده مائدته ولم يضيّق عليهم، فالجميع يرتزق مِن هذه المائدة، وإنّها مائدةٌ عجيبةٌ حقًّا! فقد هيّأ الله لكلّ فردٍ مائدته الخاصّة؛ فالأمر شبيه بدعوتك لمائة نفر لكلٍّ منهم طعامٌ خاصّ، فتقوم بإحضار الغذاء الخاصّ بكلّ واحدٍ منهم، وإن كانوا ألفًا، فسيتمّ إحضار ألف نوعٍ مِنَ الطعام، أليس هذا عجيبًا؟!
إنّ الله العليّ الأعلى قد هيّأ الأرزاق بعدد المخلوقات الّتي خلقها، فحليب هذه الأمّ مناسب لهذا الطفل لا لغيره، فقد صنع الله هذا الحليب لهذا الطفل المرتبط بهذه الأمّ ليصله هذا الحليب بواسطتها. وكذلك هيّأ لكلّ إنسانٍ طعامه، ولكلّ حيوانٍ طعامه، وللجمادات طعامًا، وللحيوانات الّتي تعيش في أعماق البحار طعامًا، فكلّ موجودٍ مِنَ الموجودات يصله نوعٌ خاصٌّ مِنَ الرزق. وأضف إلى ذلك، أنّ للإنسان مادةً وفكرًا وروحًا، ولكلّ منها وجودٌ محتاجٌ إلى رزقٍ، والله قد هيّأ لكلّ منها رزقه.
إنّ المائدة الّتي أعدّها الله هي مِنَ السعة بحيث تستوعب جميع الموجودات، ولكن إن كانت جميع خلائق الله تجلس على هذه المائدة، ولا يُستثنى منها أيّ موجود مِنَ الموجودات، فأين هي مائدة الله هذه؟ إنّ جميع عالَم الوجود هو مائدة الله، الّتي ترتزق منها جميع الخلائق، ابتداءً مِنَ الدودة الّتي تعيش في باطن الأرض إلى موجوداتِ الملكوتِ الأعلى، فهم يرتزقون منها بأرزاقٍ مختلفةٍ. فمَن يمكنه هنا أن يدّعي ويقول: أنا أستطيع أن أحلّ محلّ الله، وأن أتكفّل بتهيئة أرزاق جميع الناس؟!
يُقال إنّ النبيّ سليمان عليه السلام عزم على استضافة جميع أهل مدينته، بما في ذلك خدمهم وحشمهم ومواشيهم مِن بقرٍ وخيلٍ وغيرها، ليُطعمهم في ذلك اليوم، فهيّأ الطعام لجميع سكّان المدينة مع حيواناتهم، وعند حلول الظهر، ولمّا همّوا بتقديم الطعام للضيوف، أخرجتْ حوتٌ رأسها قِبال الميناء الّذي عليه منزل النبيّ سليمان وفتحت فمها وقالت: أطعموني. فصبّوا جميعَ ما هيّؤوه مِن طعام في فمها، [ومع ذلك] بقيت فاتحةً فمها، فقالوا لها: ألا تستحين، لقد أكلتي جميع الطعام المُعدّ لسكّان هذه البلدة وأفراد هذه القبيلة، ولم تشبعي! فقالت: هذا لا يتعدّ نصف قوتي، وأنا بحاجة إلى جرعتين أخريين ونصف جرعة۱ أراد الله بهذا أن يقول: ما أرسلتُه هو حوتٌ واحد فقط مِن حيتان البحار، فلا [يتصوّر] أحد أنّه يستطيع أن يتعهّد بما أقوم به، هكذا هي مائدتي.
- مشارق أنوار اليقين، ص٦۱، مع شيءٍ مِنَ الاختلاف.
