
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة السابعة
بيّن سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) أنّ الاعتدال والكمال في الصفات يكون بالجمع بينها، وغير ذلك نقص ظاهر؛ فالعِلم دون الحلم نقص، والقدرة دون العفو نقص، والشجاعة دون الحكمة نقص، والغضب دون الصبر نقص، فـ «الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ»، وبذلك بيّن هذه الفقرات مِن دعاء الافتتاح. ثمّ بسط البحث في إعجاز الله تعالى وإبداعه في خلقه وكيفيّة رزقه، وكيف أنّ خلقه وإبداعه ورزقه يشمل جميع الموجودات دون استثناء؛ فالخَلْق أعمّ مِن عالَم الخَلْق وعالَم الأمر، والرزق مائدة بُسِط فيها كلّ شيءٍ لكلّ شيءٍ دون استثناء.
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
8الصبر هنا يعني أنّه عندما تقبض على عدوٍّ وأنت في فورة غضبك وجبينك يتصبّب عرقًا لشدة غضبك، تصبر عليه وتمهله؛ هذا أمرٌ عجيب حقًّا! نعم، لو زالت فورة الغضب عن الإنسان، ثمّ أمسك بعدوّه وأمهله، سيكون ذلك قد وقع بعد أن تبدّلت حالته. ولكنّ حال الله لا يتبدّل، فهو عندما يغضب لا يمكن أن يتبدّل غضبه إلى رحمة، إلّا اللهمّ إن حصل وتاب العبد أو تراجع عمّا كان عليه، أمّا إن بقي العبد على ما هو عليه ولم يتب، فسيستمرّ غضب الله عليه، غير أنّ الله لا يعجّل له العقوبة بالرغم مِن قدرته على ذلك.
... لو أراد المرء أن يعمل بمقتضى غضبه، سيستغرق ذلك منه وقتًا [حتّى ينفّذه]؛ فلو قتل أحدٌ رجلًا، وأراد وليّ الدم أن يقتصّ مِنَ القاتل، فهو لا يستطيع أن يقوم بذلك في الحال، بل عليه أن يشتكيه إلى الحاكم، ليحكم له، نعم، لا يستطيع أن يقتصّ منه قبل صدور الحكم، الّذي قد يستغرق وقتًا طويلًا، فإحضار الشهود قد يتطلّب وقتًا، وقد لا يتمكّن مِن إحضارهم، وقد لا تثبت دعواه. [هذا فيما يتعلّق ببني البشر]، أمّا بالنسبة إلى الله، فالأمر لا يحتاج إلى أيّ وقت، ولا يتطلّب مكانًا مناسبًا أو شرائطَ وعِللَ مُعدّةٍ مِن أجل أن ينتقم أو يعاقب ذلك المتمرّد، بل إنّ قدرته تتمثّل في نفس إرادته، فإن أراد شيئًا يتحقّق على الفور، ولكنّ الله لا يُعجّل العقوبة، وقد جعل أمور العالَم تسير على النهج التالي: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾۱، بناءً على هذا، فإنّ جميع أفراد بني البشر – على اختلاف درجاتهم ومراتبهم – يَظلمون، غير أنّ الله لا ينتقم منهم ولا يأخذهم بيد قدرته [على الفور].
إعجاز وإبداع الله في الخلق والرزق
«الحَمْدُ للهِ خالِقِ الخَلْقِ، باسِطِ الرِّزْقِ، فالِقِ الإصْباحِ، ذِي الجَلالِ وَالإكْرامِ، وَالفَضْلِ وَالإنْعامِ، الَّذِي بَعُدَ فَلا يُرى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى، تَبارَكَ وَتَعالى»، إنّ الخَلْق هنا أعمّ مِن عالَم الخَلْق وعالَم الأمر، فجميع المخلوقات هي خلْق الله، بما في ذلك نفوس الملائكة المقرّبين وعالَم الملكوت، فإنّ خَلْقها جميعًا بيد الله.
- سورة النحل (۱٦)، جزء من الآية ٦۱.
