
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة السابعة
بيّن سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) أنّ الاعتدال والكمال في الصفات يكون بالجمع بينها، وغير ذلك نقص ظاهر؛ فالعِلم دون الحلم نقص، والقدرة دون العفو نقص، والشجاعة دون الحكمة نقص، والغضب دون الصبر نقص، فـ «الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ»، وبذلك بيّن هذه الفقرات مِن دعاء الافتتاح. ثمّ بسط البحث في إعجاز الله تعالى وإبداعه في خلقه وكيفيّة رزقه، وكيف أنّ خلقه وإبداعه ورزقه يشمل جميع الموجودات دون استثناء؛ فالخَلْق أعمّ مِن عالَم الخَلْق وعالَم الأمر، والرزق مائدة بُسِط فيها كلّ شيءٍ لكلّ شيءٍ دون استثناء.
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
«الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ».
العالِم الحقيقيّ هو مَن قرن علمه بالحلم
إنّ الجمع بين الحِلم والعِلم هو أصلًا مِنَ الأمور الصعبة جدًّا، إذ نادرًا ما يكون المرء عالِمًا، وفي الوقت نفسه صابرًا متحمّلًا، لأنّ وِفرة وفوران العِلم وبصيرة الإنسان لا تسمح له بتحمّل الجهل الّذي يراه في الواقع ويصبر عليه، فتراه يُقدِم على سحقه وإزالته مِنَ الوجود فورًا.
فلمّا كان معظم الأطباء والحكماء القدامى، مِنَ العلماء والمتبحّرين في مِهَنِهم، كانوا يصيحون في وجه المريض بمجرّد أن ينطق أمامهم كلمتين.
رحم الله عجائز الأزمنة الماضية، فعندما كان يعاني أحد مِن وجع المعدة أو الظهر أو الأسنان، كُنَّ يقلنَ له: تناول شيئًا مِن شراب الزعتر أو ورد لسان الثور المغليّ بالماء، وسوف يزول عنك ألم المعدة، وهذا ما كان يحصل بالفعل.
كان الناس يعكفون على دراسة العلوم الدينيّة في قديم الأيّام، ليصلوا إلى مقام الكمال، ومِن أجل ذلك كانوا ينتخبون إحدى اختصاصاتٍ ثلاثة: فالبعض يسلك مسلك التعليم والترويج لمباني الدين الحنيف والروحانيّة والاجتهاد، والبعض يسلك مسلك الطّب، أمّا مَن لم تكن قواه العقليّة تعينه للعمل في مجال الطبّ فكان يسعى للكسب ببيع الكتب.
كان الأطبّاء يواظبون على دروسهم، وكانوا أذكياءً حقًّا، فكانوا يُجدّون في دراسة كتب (القرابادين الكبير)۱ و (تشريح الأعضاء) و (تحفة الحكيم المؤمن) و (الخمسة اليونانيّة) وغيرها مِنَ الكتب المؤلَّفة في مجال الطبّ. نعم، كانوا مُجدّين في عملهم ويبذلون الكثير مِنَ الجهد في ذلك، حتّى يصبحوا مِن أهل الاطّلاع والنظر والخبرة في عملهم، وكان عملهم لله لا للكسب والشهرة. نحن لم نعاصر أبناء ذلك الزمان، غير أنّ آباءنا وأمّهاتنا وأقاربنا ينقلون لنا الكثير عنهم وعن مدى طيبتهم.
كان أبي يقول: كان في طهران طبيبٌ اسمه (الحكيم سقراط)، يسكن في نواحي منطقة (سرچشمه)، فحصلت مجاعة في طهران وانتشر فيها وباءٌ، فكان هذا الطبيب يركب حماره ويدور بنفسه على المرضى الّذين لا يستطيعون مراجعته. وفي أحد الأيّام كان لدينا مريضٌ، فجاءنا ذلك الطبيب قبل الغروب بقليل وقال: لقد عاينتُ ثمانية وتسعين مريضًا منذ الصباح حتّى الآن، وكان واحد أو اثنان منهم مهدّدين بالموت، أسال الله أن يشفيهم جميعًا. كان هؤلاء الأطباء يدورون على المرضى لمعاينتهم، وكانوا يتقاضون القليل مِنَ الأجر مقابل عملهم هذا، وإن وجدوا المريض فقيرًا فلا يأخذون منه أجرًا، بل كانوا يُقدّمون لبعض المرضى المُعدمين نقودًا ليشتروا بها الدواء، أو يعطونهم أدوية كانوا يحضّرونها بأنفسهم، وكان بعض الأطباء يُعطون المرضى نقودًا ليأكلوا بها.
- القرابادين هي كلمة معرّبة عن كلمة (qarābādin) اليونانيّة، وهو العِلم الّذي يهتمّ بدراسة خواصّ النباتات والأعشاب الطبيّة. [المترجم]
