
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة السابعة
بيّن سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) أنّ الاعتدال والكمال في الصفات يكون بالجمع بينها، وغير ذلك نقص ظاهر؛ فالعِلم دون الحلم نقص، والقدرة دون العفو نقص، والشجاعة دون الحكمة نقص، والغضب دون الصبر نقص، فـ «الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ»، وبذلك بيّن هذه الفقرات مِن دعاء الافتتاح. ثمّ بسط البحث في إعجاز الله تعالى وإبداعه في خلقه وكيفيّة رزقه، وكيف أنّ خلقه وإبداعه ورزقه يشمل جميع الموجودات دون استثناء؛ فالخَلْق أعمّ مِن عالَم الخَلْق وعالَم الأمر، والرزق مائدة بُسِط فيها كلّ شيءٍ لكلّ شيءٍ دون استثناء.
غايةُ الكمال وحَدُّ الاعتدال هو الجمع بين الصفات
11إنّ حيض المرأة في أيّام العادة الشهريّة، يُعتبر مِن أكبر النِعم الإلهيّة الّتي مَنَّ الله بها عليها، فالمرأة الّتي لا تحيض هي امرأةٌ مريضةٌ لا فائدة فيها، لأنّها إذا حاضت يصبح الرحم مستعدًّا لاستقبال الطفل، فقد خلق الله فيها جهازًا لإنتاج البشر. لكلّ جهازٍ مِن أجهزة جسم الإنسان عملٌ خاصٌّ: فالعين للرؤية، والأذن للسمع، واليد للأخذ والعطاء، أمّا الرحم فهو لإنتاج الإنسان، والإنسان عبارة عن مَظهر الله، أي الناطق بـ (لا إله إلّا الله)، أي الإنسان ذو الشعور. إنّ صناعة البشر تختلف عن صناعة الدم وصناعة العظم.
ففي الوقت الّذي تحمل فيه المرأة، يتحوّل دم الحيض الّذي كان يخرج مِن رحمها، إلى غذاءٍ للطفل، ولهذا السبب لا تحيض المرأة الحامل إلّا نادرًا. وعندما تُرضع الأمّ طفلها يتبدّل نفْس ذلك الدم إلى حليب، ولهذا السبب أيضًا لا تحيض المرأة المُرضِعة إلّا نادرًا. وعندما لا تكون المرأة حائضًا ولا مُرضِعةً ولا حاملًا، سيطهّر دمُ الحيض هذا الرحمَ ويوسّعه ويُعدّه لاستقبال الطفل. هذا هو غذاء الطفل الّذي يأخذ صورًا مختلفةً.
يُقال إنّ الحليب يحتوي على أفضل المواد الغذائيّة، فلا يوجد غذاءٌ مفيدٌ للصغير والكبير، الرجل والمرأة، الشيخ الهرم والشاب اليافع، مثل الحليب، ولا يوجد ما هو أغنى وأكثر فائدة وما هو أصحّ وأقلّ ضررًا منه. إنّ الحليب رغم كونه سائلًا، فهو يقوّم العظام ويرمّم جسم الإنسان. ونحن نرى كيف ينساب هذا الحليب بكلّ يسر في العروق ليصل إلى ثدي الأمّ الّذي فيه ثقوب بحجم رأس الإبرة، وذلك لكي لا ينهمر الحليب في فم الرضيع فيخنقه، كما أنّ حجم حلمة الثدي هو بمقدار سعة فم الطفل، فلو كانت الحلمة كبيرة بحجم الرمّانة مثلًا، كيف كان للطفل أن يعيش؟! ولو كان فم الطفل واسعًا، فكيف له أن يلتقط تلك الحلمة الصغيرة؟! كلّ ذلك محسوب بدقّة، ثمّ انظر كيف عُلِّم الطفل المصّ بمجرّد ولادته.
مِنَ الشائع بين الناس أن لا تُرضع الأمّ طفلها إلّا بعد أربع وعشرين ساعة، وتُعطيه في هذه المدّة السكّر المحلول بالماء المغليّ. عندما رَزق الله أحدَ محارمنا طفلًا، طلبوا منّي أن أقرأ له الأذان والإقامة في أذنَيه وأن أدعو له وأسمّيه. فعندما ذهبتُ إلى هناك، لم يكن قد مضى على ولادة ذلك الطفل أربعٌ وعشرون ساعة، ولم تكن أمّه قد أرضعته بعد، وعندما وضعوا الطفل في حضني وأردت أن أدعو له، رأيتُ الطفل يمصّ شفته باستمرار وكأنّه يرضع، بالرغم أنّه لا يوجد ثدي ليرضع منه، فمَن الّذي علَّم الطفل الرضاعة؟! إنّه يفعل ذلك وحده، فهو يبحث لنفسه عن صيد، وعن ذلك الرزق الذي هيّأه الله له.
