
أمير المؤمنين عليه السلام الصراط المستقيم
مناقب أهل البيت عليهم السلام ـ الجلسة الأولى
ما هو منشأ الاختلاف بين الطرق التي يسلكها الناس إلى الله تعالى؟ ما هو الفرق بين الطريق المستقيم والسبل المتفرّقة؟ أيّ سرّ في كون طريق أمير المؤمنين عليه السلام هو الصراط المستقيم؟ هل يجب على الإنسان مواءمة نفسه وصفاته وأفعاله مع صراط عليّ عليه السلام؟ على أيّ شي قاتل الإمام عليّ عليه السلام الطوائف الثلاث؟ ما هي الأحداث العجيبة التي تزامنت مع شهادة أمير المؤمنين عليه السلام؟ أيّ تأثير تتركه ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في الكائنات؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران
أمير المؤمنين عليه السلام الصراط المستقيم
9وأمّا طريق عليّ، فليس بهذا النحو، بل هو طريق معبّد، بحيث إذا وضع الإنسان قدمه فيه، فلن يعود بحاجة إلى أن يُحرّك نفسه؛ إذ ستهبّ نسائم الجنّة من ورائه، وتُحرّكه في هذا الطريق بكلّ متعة! فهو طريق الجنّة، طريق الجنّة!
أجل، يبقى أنّ سلوك هذا الطريق يحتاج إلى صبر وتحمّل وتضحية؛ فالأمر بهذا النحو: «إنَّ الجَنَّةَ مَحفوفَةٌ بِالمَكَارِهِ»۱؛ فطريق الجنّة ليس سهلاً، لأنّه طريق عليّ! حيث لم يكن عليه السلام في حياته رجلاً ينزع نحو الراحة والدعة والاتّكالية، مع أنّه كان مطّلعًا على السبيل إلى ذلك، بل وأكثر اطّلاعًا عليه من الجميع. اعلموا أنّ أمير المؤمنين ـ الذي هو إمام لكلّ البشر ـ كان يعلم بكافّة هذه الطرق أفضل من المُترفين؛ لأنّه إمام، والإمام عِلمٌ؛ غير أنّه لن يكن يقبل، بل كان يقول: هذا ليس من شأني، ولا ينسجم مع وظيفتي؛ فعليّ أن أُوائم حياتي ـ أنا الحاكم على الناس ـ مع حياة أضعفهم، بحيث إذا كان هناك مسلم يعيش في كنف حكومتي، فنام وهو جائع، بينما كنت أنا شبعانًا، فلن أكون إمامًا لهؤلاء الناس! أ فهل جعلني النبيُّ إمامًا، لكي يجوع ذلك الرجل، وأشبع أنا؟! لا يُمكن لهذا الأمر أن يحدث! أو أن يأكل هو خبزًا يابسًا، وآكل أنا خبزًا وعسلاً؟! هذا غير مقبول!
كتب الإمام عليه السلام في الرسالة التي بعثها إلى عثمان بن حنيف:
«وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ، وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ (فقد كان أمير المؤمنين بالكوفة، فكم كانت المسافة التي تفصله عن الحجاز واليمامة؟! ألف فرسخ) مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ.أَوْ أَبِيتَ مِبْطَانًا، وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى»!٢
وجدير بالذكر أنّ امتناع أمير المؤمنين عن الأكل لم يكن من باب التصنّع، بل إنّ يداه لم تكونا في الأساس لتمتدّا من أجل تناول هذه الأشياء؛ وحتّى إذا وضعوا أمامه مائدة تعجّ بأصناف الطعام، فلن تمتدّ يده نحوها؛ لأنّه إمام. فتُلاحظون أنّه لوكان هناك طفل مريضًا في المنزل، ويُشارف مثلاً على الموت، ووُضعت أمام والدته مائدة تحوي صنوف الطعام، وقيل لها: «تفضّلي، تعالي لكي تأكلي»، هل ستقدر على تناول هذا الطعام؟! فمهما أُصرّ عليها لكي تأكل؛ كأن يضربونها بالسوط أو يُعرّضونها للعضّ واللدغ، فإنّها ستقول: «ما عساي أن آكل؟!»، ولن يُفتح فمها أبدًا لتناول الطعام، ولن تمتدّ يدها بتاتًا لهذا الطعام.
- معرفة المعاد، ج ۱، ص ٩٥؛ نقلاً عن: مصباح الفلاح، الطبعة الحجريّة، ص ٣۰.
- تحف العقول، ص ٣٩۰؛ نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤۱۷.
