
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
عظمة مقام الإنسان الكامل
ما معنى امتلاك الإنسان أحسن تقويم في نظام الخلق ؟ ولماذا أنزل إلى أسفل سافلين؟ ولماذا لا يمتلك غير الإنسان من سائر الموجودات لهذه الميزة؟ ما هي وظيفة الإنسان تجاه هذه النعمة التي حباه الله عزّوجلّ بها؟ و ما أهمّيّة الصلاة في النظام العبادي؟ ما هو مقدار رحمة الله عزّوجلّ؟ ولماذا بعض الناس يقع في الشقاء والخسران الأخروي؟ وما مدى أهمّيّة أربعينيّة موسى عليه السلام في السير والسلوك وبالأخص العشر الأوائل من ذي الحجّة؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة انطلاقاً من سورة التين المباركة وشرح بعض الآيات فيها.
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
5اتّضح لنا من هذا ما هو معنى الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ إنَّ هذا يعني أنَّ الله لو أراد أن يخلق خلقًا، ويبذل قصارى جهده في خلقه، فأيّ خلق سيكون هذا؟ لا بدَّ وأن يكون هذا الخلق الذي يخلقه مثلَه تعالى، أليس كذلك؟ نعم، هكذا هو الأمر.إنَّ كلمة مثله لا تعني بأنَّ هذا الخلق سيكون بنفس سعته عزّوجلّ، بل سيخلق مخلوقًا لا يوجد أيّ ميز وتفاوتٍ وبُعد بينه وبين هذا المخلوق من ناحية قربه له.أمّا فيما يتعلّق ببقيّة المخلوقات، فهناك بُعدٌ بينها وبين الله؛ فلعالم الملائكة، وعالم الأرواح وعالم الشياطين، وعالم الجنّ والحيوانات، لجميعها بُعدٌ عن الله؛ فهي محدودة بحدود ومقيدة بقيود.
إنَّ الإنسان وحده هو الذي يستطيع أن لا يكون ذا بُعد وفاصلة مرحلية ورتبيّة بينه وبين الله، وهذا هو معنى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، فهل عرفنا الآن المرتبة التي حزنا عليها؟! هذا فيما يتعلّق بخلقنا؛ فيقول الله: لقد أعملت فيك أيّها البشر قدرتي الخالقية.إنَّ هذا ما يخصّ جانب القضية هذه.
لماذا أنزل الله الإنسان إلى أسفل سافلين؟
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي: لقد جلبنا هذا الإنسان إلى عالم الدنيا وعالم المادة، وجعلناه يسير في كافّة المراتب الوجودية والمراتب النازلة.لماذا؟ لكي يكون لدى الإنسان كافة مظاهري الوجودية؛ ابتداءً من التجرّد المحض وإلى المرتبة الأخيرة منه، والتي هي مرتبة الملك والمادة والصورة والأجسام والكون والفساد؛ ولا ينقصه منها مرتبة ٌمن المراتب، فيحوز بهذا الشكل على مظهريّة الأسماء والصفات بأكملها.
لا تستطيع الملائكة أن تكون على هيئة جسم، ولا يمكن لها أن تتشكّل بالصورة الوجودية التي تمتلك أغراضاً نفسية ًوأهواءً ،وتتمتّع بخصائصَ حيوانية؛ وذلك لكون وجودها وجودًا خاص، أمّا الإنسان، فهو يمتلك جميع هذه الأشياء، ولهذا السبب تصبح قدرته أعلى من قدرة الملائكة.إنَّ الإنسان قد وصل إلى أسفل السافلين التي هي آخر مرتبة من مراتب النزول، أي: لقد أنزلناه من الأعلى؛ فجعلناه يعبر مراتب اللاهوت إلى الجبروت ثم الملكوت الأعلى، ثمّ أنزلناه أكثر حتّى أوصلناه إلى الملكوت الأسفل وعالم البرزخ والمثال وحتى وصل إلى عالم المادة والصورة هذا؛ فهذا هو عالم المادة والصورة إذن.لقد جعلناه يسير في كافة هذه المراتب، ويراها.
