
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
عظمة مقام الإنسان الكامل
ما معنى امتلاك الإنسان أحسن تقويم في نظام الخلق ؟ ولماذا أنزل إلى أسفل سافلين؟ ولماذا لا يمتلك غير الإنسان من سائر الموجودات لهذه الميزة؟ ما هي وظيفة الإنسان تجاه هذه النعمة التي حباه الله عزّوجلّ بها؟ و ما أهمّيّة الصلاة في النظام العبادي؟ ما هو مقدار رحمة الله عزّوجلّ؟ ولماذا بعض الناس يقع في الشقاء والخسران الأخروي؟ وما مدى أهمّيّة أربعينيّة موسى عليه السلام في السير والسلوك وبالأخص العشر الأوائل من ذي الحجّة؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة انطلاقاً من سورة التين المباركة وشرح بعض الآيات فيها.
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
3ثلاثة أمثلة توضّح قدرة الإنسان التي تفوق سائر المخلوقات:
المثال الأوّل: البالون
إنَّ للبالونات سعاتٍ متفاوتة؛ فما أن تنفخ في إحداها بعض الشيء حتّى تنفجر؛ وذلك لكونها محدودةً وضعيفةً، ويوجد منها ما يكون أقوى من الأولى؛ فهي تصل إلى حجم أكبر، ومع هذا فلها حدّ محدود، وهناك من البالونات ما له القابليّة على أن تحمل رجلًا بوزن مائة أو مائة وعشرين كيلوغرامًا، ولا يحصل لها شيء؛ وذلك لكونها قويّة، وهي مصنوعة من نوع سميك من البلاستك، وتكون مرونتها وقابليتها للتمدّد عالية، فلا يحصل لها شيء.
ما هذه السعة التي لدى الإنسان والتي جعلت الله يقول عنه بأنَّ قلبَ عبدي المؤمن بي يستطيع أن يسعني دون الأرضِ ولا السماء ِولا النجوم ولا الكواكب السيّارة، فليس لها مثل هذه السعة؟ ما هو السبب الكامن وراء ذلك؟ إنَّ السبب في ذلك يعود لكون الإنسان ومن بين جميع هذه الموجودات هو الوحيد الذي له القابليّة على إبراز وإظهار كافّة الصفات الجماليّة والجلاليّة للحقّ؛ أي: إنَّ الله قد خلق الإنسان بشكلٍ وجعله في مرتبة ـ وبحسب العبارة المصطلح عليها ـ أظهر الله مهارته في هذا الخلق وبالطريقة التي يستطيع من خلالها أن يصل إلى تلك الحقيقة المطلقة التي هي وجود الله نفسه، فليس لبقيّة الموجودات تلك المرتبة الإطلاقيّة، بل مرتبتهم محدودة بحدٍّ ومقيّدة بقيدٍ، أمّا الإنسان فهو يستطيع أن يعبر هذا القيد، ويستطيع أن يصل إلى المرتبة غير المحدودة وهي المرتبة الإطلاقيّة؛ فحتّى جبرائيل الذي هو ملَك العلم، والمُكلّف بإفاضة العلم على كافة الموجودات بما فيها الأنبياء، فلجبرائيل حدّ وجودي، ولو أنَّ الله نفخ فيه بما يتجاوز حدّه، لما تحمّل ذلك ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾۱ إنَّ تجلّي الله للجبل يعني أنه َّعندما وجّه الله جزءاً من قهّاريّته وجلاله إلى هذه المادة التي هي عبارة عن الجبل، ولمّا كانت المادة محدودة بحدّ خاص، لم تستطع تحمّل هذا الضغط الصادر عن تلك الجهة المعنويّة، فتفتّت الصخور وتطايرت.
المثال الثاني: الإنسان القويّ
خذوا على سبيل المثال البعض من الناس من أولئك الذين يمتلكون نفسًا قويّة، عندما ينظر أحدهم إلى حجرٍ، فهو يستطيع أن يقسمه إلى نصفين، وعندما ينظر إلى زجاج يكسره؛ وذلك لامتلاكه نفسًا قويّةً.عندما توجّه الله إلى الجبل، لم يستطع الجبل تحمّل ذلك، وخرّ موسى مغشيّاً عليه.استطاع موسى أن يصمد، فلم يتقطّع بدنه ولم يمت غير أنَّه سقط مغشيّاً عليه.لقد تلاشى الجبل ومات السبعون شخصًا الذين كانوا مع موسى جميعاً، أمّا موسى فلكونه كان قويّاً وكان يمتلك سعة وجوديّة، فكان المقدار الذي تأثر به من جرّاء ذلك هو أنَّه قد غُشي عليه، ويرجع سبب ذلك إلى كون موسى قد عمل على تزكية نفسه، واكتسبت نفسه الاستعداد لتحمّل مثل تلك الحالات الروحيّة التي تنزل عليه؛ فلم يخرج من الميدان.
- سورة الأعراف (۷)، جزء من الآية ۱٤٣.
