
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
عظمة مقام الإنسان الكامل
ما معنى امتلاك الإنسان أحسن تقويم في نظام الخلق ؟ ولماذا أنزل إلى أسفل سافلين؟ ولماذا لا يمتلك غير الإنسان من سائر الموجودات لهذه الميزة؟ ما هي وظيفة الإنسان تجاه هذه النعمة التي حباه الله عزّوجلّ بها؟ و ما أهمّيّة الصلاة في النظام العبادي؟ ما هو مقدار رحمة الله عزّوجلّ؟ ولماذا بعض الناس يقع في الشقاء والخسران الأخروي؟ وما مدى أهمّيّة أربعينيّة موسى عليه السلام في السير والسلوك وبالأخص العشر الأوائل من ذي الحجّة؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة انطلاقاً من سورة التين المباركة وشرح بعض الآيات فيها.
أفضليّة مقام الإنسان في نظام الوجود
2أعوذ باللَه من الشيطان الرجيم
بسم اللَه الرحمن الرحيم
وصلّى اللَه على سيّدنا و نبيّنا وحبيب قلوبنا
وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمّد
اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمد
وعلى آله الطيبين الطّاهرين لا سيّما بقية الله في الأرضين
الحجّة بن الحسن المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
تفسير آية خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾۱ أي: إنَّنا خلقنا الإنسان وفقًا لأفضل نظام وأجمل شكل وبناء، ثمّ أعدناه إلى أدنى مراتب النزول في عالم الكثرة، عدا أولئك منهم الذين نالوا درجة الإيمان، وجاؤوا بالأعمال الصالحة.
علينا أن نعرف أوّلًا، لماذا خلق الله الإنسان وفقًا لأفضل نظام؛ ذلك النظام الذي لم يخلق وحتى ذلك الوقت أحدًا مثله؟ وثانيًا: ما هو السبب الذي دعا الله لينزله إلى أسفل السافلين؛ الذي هو عالم الطبع والمادة وعالم الدنيا؟ فما هو السّر الكامن وراء أصل الخلق ووراء التنزيل إلى أسفل السافلين الذي حصل بعده؟
ما معنى أحسن تقويم ولماذا خلق الله الإنسان فيه؟
إنَّ وجود الله تعالى هو الوجود الأكمل؛ بمعنى أن لا سبيل لأيّة ناحية من نواحي النقص والاستعداد والانتظار والتهيّؤ لأن تجد لها طريقًا إلى هذا الوجود؛ فهو في غنىً تامٍّ وفعليّة تامّةٍ، ولا حاجة له إلى أحد في سبيل الوصول إلى الكمال؛ ولا وجود لأيّة جهة نقصٍ فيه لكي يصل إلى الكمال برفعها.إنَّ لهذا الوجود الذي يتمتع بمثل هذه الصفات بروزاً وظهوراً من ذات نفسه؛ يتمثّل أحد أشكال هذا البروز والظهور في وجود الملائكة، ويتمثّل بروزٌ وظهورٌ آخر له بعالم العقول، وبالجنّ وعالم المادة الذي هو عالم الكون والفساد، وبالحيوانات؛ فجميعُ هذه الأشياء هي عبارة عن بروز وظهور الوجود الكامل لله، غير أنَّنا لا نرى الله تعالى قد قال عن أيٍّ منها [ما قاله عن الإنسان، فلم يقل عن الملائكة:] إنَّا خلقنا الملائكة في أحسن تقويم، نعم لا توجد مثل هكذا آية في القرآن، فلم تنزل مثلها حتّى بحق جبرائيل أو ميكائيل أو عزرائيل؛ فلا وجود لآية تقول: لقد خلقنا جبرائيل في أحسن تقويم؛ الأمر الذي يستطيع الله أن يفعله، ولديه القدرة على إيجاد مثل ذلك الخلق.كما ولم يرد مثل هذا الشيء بشأن خلق السموات والأرض والكواكب وهذا العالمِ الذي لا نهاية له، والذي لم يصلوا إلى نهايته، ولا يمكن لهم ذلك، فلم يحصل أن يكون الله قد قال: لقد خلقت السموات والأرض بأحسن ما أستطيع وبقدرتي القاهرة وقوّتي الأزلية، أمّا بالنسبة إلى الإنسان فقد جاء في حقّه مثل هذا الشيء، كما وجاء في رواية وحديثٍ قدسيّ مثل هذا الشيء بعبارة مختلفة حيث قال الله: «لَا یسَعُنِي أرْضِي وَلا سَمائِي وَلكِن یسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ بي»٢، فليس لها السعة على تحمّل مثل هذا التجلّي؛ إذ إنَّ للسماء والأرض سعةً محدودة.
- سورة التين (٩٥)، الآيات ٤ إلى ٦.
- جاء في عوالي اللئالئ، ج ٤ ص۷: «لَا یسَعُنِي أرْضِي وَلا سَمائِي وَلكِن یسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ».[المترجم]
