
الإخلاص والرياء وملاك تشخيصهما
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ ـ الجلسة العشرون
كيف نعرف أنّ عملنا هو لله تعالى أم لا؟ بماذا يدعو العباد الصالحون ربّهم؟ ما هي حقيقة الحياة الطيّبة؟ متى يحظى طول العمر بالأهمّية بالنسبة للإنسان؟ كيف ترتفع الشكوى بين الله تعالى وعبده؟ ما هي حقيقة الزهد على لسان أمير المؤمنين عليه السلام؟ هل يجوز للإنسان أن يطلب الدخول في الذكر الخاصّ لله تعالى؟ ما معنى الرياء والسمعة؟ وما هو تأثيرهما في أفعال الإنسان وثوابه؟ ما هو معنى الخشوع لله تعالى في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
الإخلاص والرياء وملاك تشخيصهما
6ولهذا، يُقال: إذا كان عدد من الأفراد يُشغلون أنفسهم في الدنيا ببعض اللذّات، فإنّ ذلك يعود إلى أنّهم يرغبون في إخراج ذلك الخوف والحزن من أذهانهم بشكل مؤقّت، ويسعون إلى تحصيل حالة من الالتهاء؛ لأنّ الإنسان الذي لم يهب قلبه لله، ولم يوكله اختياره يظلّ يحتمل وقوع آلاف الأحداث المريرة التي يكفي كلّ واحد منها في زلزلة وجوده وزعزعة خواطره؛ كما أنّه يظلّ يُقيم العزاء في نفسه على كلّ شيء من الأشياء التي فقدها في الماضي، ويحزن باستمرار، وهو يقول: «يا لها من أشياء ضاعت منّي إلى الأبد! وعسى ألاّ يحدث في المستقبل كذا وكذا وكذا!».
وحتّى إذا لم يلتفت ذهنُه إلى هذا الحُزن، فإنّه يظلّ مكنونًا في قلبه، حيث يكون هذا الحزن والخوف معجونًا بروحه ونفسه؛ ولهذا، فإنّ اللذائذ التي يُحصّلها، إنّما يُحصّلها لأجل الالتهاء، ولكي يصرف نفسه للحظة واحدة عن ذلك الخوف والحزن؛ وبالتالي، إذا انتهت تلك اللذّة، فإنّ ذلك الخوف والحزن يظلّ في مكانه، مثلما حصل في [البداية] للإنسان ورسخ فيه.
توجد مجموعة من الأشعار للخيّام يقول فيها:
می خوردن من نـه از بـرای طـرب اسـت *** نز بهـر نشـاط و تـرک دیـن و ادب اسـت خـواهم کـه دمـی ز خویشـتن بـاز رهـم *** می خوردن و مست بـودنم زیـن سـبب اسـت۱ [يقول: ليس شُربي للخمرة من جهة الطَرب أو للحصول على القوّة و النشاط أو ترك الدين و الأدب.
بل أريد بذلك التحرّر من نفسي للحظة، هذا هو السبب وراء شربي الخمر و سكري]
فمن المشهور قولهم: كان الخيّام يحتسي الشراب؛ هذا، مع أنّه ليس المراد منه الشراب المعنويّ، بل الشراب المادّي الظاهريّ؛ ولذلك، لا توجد لأشعاره أيّة علاقة بالتوحيد، بل إنّ مستواها متدنٍّ جدًّا؛ ولأجل ذلك، فإنّ الكفّار وأمثالهم يُحبّون هذه الأشعار كثيرًا. فذات يوم، قرأت في كتابٍ أنّ كلّ ولد وبنت إنجليزيّين يضع في جيبه ترجمة لبعض أشعار الخيّام؛ حسنًا، فهذا راجع إلى مسألة الانسجام بين الأرواح! يقول: إذا كنت أحتسي الخمر، فليس ذلك بسبب أنّني أرغب في الطرب، أو في ترك الأدب، أو مخالفة أمر من الأوامر، بل إنّ الهمّ والغمّ قد تغلّبا عليّ، إلى درجة أنّني أصبحت أريد أن أرتاح ساعة واحدة؛ ولهذا السبب، أحتسي الخمر، لكي أفقد وعيي، وأتخلّص من الخوف قليلاً! وحينئذ، ليقُم كلّ واحد منكم بمقارنة هذا الأمر مع حال الذي أوكل اختياره لله تعالى! إذ حينما يفقد الإنسان عقله بواسطة المُسكر مدّة ساعة واحدة، فلن يكون قد أصلح نفسه، بل سيكون قد وضع على عقله غطاءً، حتّى لا يفهم ولا يُدرك [حزنه وخوفه].
- معرفة الله، ج ٢، ص ۱٢٦.
