
الإخلاص والرياء وملاك تشخيصهما
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ ـ الجلسة العشرون
كيف نعرف أنّ عملنا هو لله تعالى أم لا؟ بماذا يدعو العباد الصالحون ربّهم؟ ما هي حقيقة الحياة الطيّبة؟ متى يحظى طول العمر بالأهمّية بالنسبة للإنسان؟ كيف ترتفع الشكوى بين الله تعالى وعبده؟ ما هي حقيقة الزهد على لسان أمير المؤمنين عليه السلام؟ هل يجوز للإنسان أن يطلب الدخول في الذكر الخاصّ لله تعالى؟ ما معنى الرياء والسمعة؟ وما هو تأثيرهما في أفعال الإنسان وثوابه؟ ما هو معنى الخشوع لله تعالى في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
الإخلاص والرياء وملاك تشخيصهما
14معنى دقيق لمسألة الخشوع لله تعالى
«واجعَلني لَكَ مِنَ الخَاشِعينَ» (ليكون قلبي منكسرًا).
فهو عليه السلام لم يقل: "واجعل لي من الخاشعين" أو "واجعلني من الخاشعين"، بل قال: «واجعلني لك» (أي اجعلني لأجلك من الخاشعين)».
ولا يخفى أنّه يوجد فارق بين الخشوع والخضوع؛ فالخضوع هو الانكسار والتواضع الذي يُظهره الإنسان؛ كأن يعظّم أحدًا أو يحترمه؛ فهذا الذي يُقال له خضوع. وأمّا الخشوع، فيرتبط بالقلب؛ فإذا سلّم الإنسان لأحدٍ بقلبه، وصار يشعر بتواضع قلبيّ تجاهه، فإنّ هذه الحالة تكون خشوعًا، ﴿قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ ، ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ﴾؛۱ فليس المراد هنا أنّ لديهم تواضع ظاهريّ، ولو أنّ هذا النوع من التواضع مطلوب في الصلاة؛ بل المراد أنّ لديهم تواضع باطنيّ؛ أي أنّ قلبهم منكسر. «اجعلني لك من الخاشعين»، ليكون قلبي منكسرًا أمامك وأمام إرادتك ومحبّتك.
وحينئذ، لا تجعلني من الخاشعين لأجل نفسي، بل «واجعلني لك»؛ فاجعلني عبدًا لك، وغلامًا مطيعًا لحرمك، لكي أكون من الخاشعين في هذا الحرم أيضًا؛ وهذا كلام لطيف من الإمام!
أتى جبرائيل النبيّ الأكرم، وقال له [ما مفاده]:
يا رسول الله، لقد وهبك العليُّ الأعلى مفاتيح خزائن الدنيا، فخذها من دون أن يستتبع ذلك أيّ ضرر بدنياك، وأيّ نقص بمنزلتك!
فأجابه الرسول الأكرم:
«أحبّ أن أكون عبدًا مسكينًا لا يملك أيّ شيء؛ فأسأل الله تعالى، وأشكره على ما يتفضّل به عليّ»٢.
مع أنّ ذلك لن يُنقص شيئًا من مقام النبوّة، وهي مفاتيح خزائن الله تعالى؛ لكنّني أريد أن أكون عبدًا مسكينًا.
يقول الإمام: «واجعَلني لَكَ مِن الخاشعينَ»؛ إذ من الممكن أن يجعل اللهُ تعالى الإنسانَ لنفسه، غير أنّه لا يجعله من الخاشعين؛ فيُعيّنه حارسًا لبيته؛ لكن، يُعطيه في الوقت ذاته حكم الدنيا؛ نظير النبيّ سليمان؛ فما العيب في ذلك؟! حيث كان عليه السلام يمتلك قصورًا، ومنزلة [رفيعة] في الوقت ذاته. لكن، يبقى أنّ الفارق بين منزلة حضرة سليمان ومنزلة حضرة الرسول الأكرم كالفارق بين السماء والأرض! فكانت روحه وكان قلبه بنحوٍ لا يُمكنه معه القبول بتاتًا بهكذا أفعال، حيث يقول: أريد ألاّ يكون لديّ شيء، فأسأل الله؛ ثمّ يصير لديّ شيء في يوم آخر، وأشكره تعالى؛ وهذا مقام مختلف تمامًا!
- سورة المؤمنون، الآيتان ۱ و٢.
- الكافي، ج ۸، ص ۱٣۰:
«... ولَقَد أتاهُ جبرئيلُ بِمفاتيحِ خَزائنِ الأرضِ ثلاثَ مَرَّاتٍ يُخَيِّرُه مِن غَيرِ أن ينقُصه اللهُ تَبارَكَ وتَعَالى مِمَّا أَعَدَّ له يومَ القيامةِ شيئًا، فيَختارُ التواضُعَ لِرَبِّه جلَّ وعزَّ...».
