
سعة الرحمة الإلهيّة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ- الجلسة التاسعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن شمول فيض الله تعالى حتّى للجاحد ربوبيّته، ثمّ أشار إلى السرّ في استيعاب الرحمة الإلهيّة لغير السائل؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ المحروم هو من حرم نفسه؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى نموذج بديع على سعة الفيض الإلهيّ؛ ثمّ تحدّث عن أنّ الله تعالى هو وحده القادر على مدح نفسه؛ مُنبِّهًا إلى أنّ الموجودات بأجمعها مستهلِكة لا مولِّدة؛ وأشار كذلك إلى أهمّية الإلحاح على الله تعالى في السؤال، وأنّ المنبع اللامتناهي لا يَنقُص بالعطاء؛ ليختم كلامه بالحديث عن أهمّية توسّل السائل بمحبّة الصالحين وسؤالهم.
سعة الرحمة الإلهيّة
9فيُفاض الوجود على نبتة شبّ الليل المسكينة بهذا النحو ليلاً ونهارًا، من دون أن ينقطع عنها هذا الفيض، ولو لدقيقة واحدة.
فإذا قطعتموها بمقصّ، فإنّها ستموت؛ وحينئذ، سينتهي أمرها في نفس اللحظة! فسبب أنّها حيّة ومخضرّة هو أنّها لم تتعرّض للتلف للحظة واحدة، ولم ينقطع عنها الفيض لآنٍ واحد، ولم تُسلب منها الحياة، ولم يُنتزع منها ذلك المسير والهدف؛ وحينئذ، نجد أنّ هذه النبتة تمتلك مجموعة من الأجهزة؛ إذ تتوفّر على أمعاء وشرايين ودماغ وتناسل ونكاح ومقصد ومبدأ ومنتهى؛ ونراها تتحرّك بنحو ينسجم مع ذاتها؛ فيا لها من أمور تحدث في نبتة شبّ الليل هذه! وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة للبعوضة التي تصدر أزيزًا، وتمرّ على أذن الإنسان، حيث نجدها كذلك تتوفّر على مجموعة من الأجهزة، ولها أيضًا حسابها الخاصّ! ففي بعض الأحيان، يكون الإنسان منهمكًا في المطالعة، فتحطّ بعض أنواع البعوض على الكتاب؛ مع أنّه لا يصحّ أن نقول عنها بعوضة؛ لأنّها تكون عبارة عن حشرة صغيرة، بل هي على درجة من الصغر، بحيث لا يُمكن رؤيتها بالعين، ويكون الإنسان ملزمًا بالتركيز كثيرًا لكي يرى حركتها؛ وفي هذه الحالة، نجد أنّ هذه الحشرة تمتلك عينًا وأذنًا ورجلاً تتحرّك بها ومعدة وشرايينًا وأمعاءً، وتنقسم إلى ذكر وأنثى، وتلد صغارًا، وتضع بيوضًا، ولها حياتها الخاصّة وهدفها الشخصيّ، وتتوفّر على أماني ومقصد وحياة وموت؛ أ فهل بوسع عقل الإنسان أن يستوعب كلّ ذلك؟! فجميع هذه الموجودات تصرخ قائلة: إلهي، أوجدني! وأفض عليّ الوجود! ولا تبخل عليّ! فيُفاض عليها الوجود كلّها بهذا النحو... .
﴿وَتَرَى ٱلجِبَالَ تَحسَبُهَا جَامِدَة (في مكانها ومتسمّرة على الأرض) وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَاب﴾.۱
الله تعالى هو وحده القادر على مدح نفسه
وحينئذ، هل يحقّ للإنسان أن يقول لله تعالى: «تَعَالَيتَ»؟ كلاّ! لأنّه إذا قال له ذلك، فإنّه سيكون قد قاله بقدر تفكيره؛ نظير الذي يخرج من الغرفة، ويُزيح الستار، ثمّ يُحدّق بطرف عينه في الشمس، ويقول: «أنعم به وأكرم! يا لها من شمس! لقد تعرّفتُ على الشمس!»؛ لكن، أنّى له أن يعرفها؟! فقد جاء من الظلام، وبدأ ينظر إلى الشمس من مسافة ضوئيّة تُقدّر بثمان دقائق وثلاثين ثانية؛ هذا، مع أنّه لم ينظر إليها بعينيه مباشرة، بل من وراء زجاجة داكنة، وإلاّ، لو نظر إليها [بشكل مباشر] قليلاً، لأصيب بالعمى؛ فهو ينظر إليها من مسافة تبلغ ملايين الفراسخ، ثمّ يأتي، ويقول: «لقد تعرّفت على الشمس!»؛ مع أنّه لم يتعرّف عليها.
- سورة النمل، الآية ۸۸.
