
سعة الرحمة الإلهيّة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ- الجلسة التاسعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن شمول فيض الله تعالى حتّى للجاحد ربوبيّته، ثمّ أشار إلى السرّ في استيعاب الرحمة الإلهيّة لغير السائل؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ المحروم هو من حرم نفسه؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى نموذج بديع على سعة الفيض الإلهيّ؛ ثمّ تحدّث عن أنّ الله تعالى هو وحده القادر على مدح نفسه؛ مُنبِّهًا إلى أنّ الموجودات بأجمعها مستهلِكة لا مولِّدة؛ وأشار كذلك إلى أهمّية الإلحاح على الله تعالى في السؤال، وأنّ المنبع اللامتناهي لا يَنقُص بالعطاء؛ ليختم كلامه بالحديث عن أهمّية توسّل السائل بمحبّة الصالحين وسؤالهم.
سعة الرحمة الإلهيّة
16«وأَجرًا عَظيمًا».
مثل أجر ذلك الأعرابيّ الذي أتى النبيّ، وأحضر حمله إلى المنزل، حيث سأله الجنّة في مقابل ذلك؛ فلا بدّ أن تمنحنا أجرًا عظيمًا، ولا تنظر إلى عملنا الحقير، بل انظر إلى نفسك أنت!
«أنتَ كَمَا تَقولُ وفَوقَ ما نَقولُ»؛ فانظر إلى ذاتك أنت، ولا تنظر إلينا نحن؛ وبالتالي، تفضّل علينا بما نسأله!
«أَسأَلُكَ يَا رَبِّ مِنَ الخَيرِ كُلِّه مَا عَلِمتُ مِنهُ وَمَا لَم أَعلَم».
فلا تظننّ أنّه حينما مدحتك بكلّ صفاتك العليا أنّني سأتراجع، بل إنّني أسألك يا إلهي أن تفيض عليّ جميع الخيرات، ما علمتُ منها وما لم أعلم!.
فإن قيل: «إنّ ما تعلمه قليل»؛ وذلك لأنّ المقدار الذي لا يعلمه الإنسان أكبر بكثير من المقدار الذي لا يعلمه، فإنّني سأقول: «أسألك الخير بنحو عامّ، ما علمتُ منه وما لم أعلم».
توسّل السائل بمحبّة الصالحين وسؤالهم
«أَسْأَلُكَ اللّهُمَّ مِنْ خَيْرِ ما سَأَلَكَ مِنْهُ عِبادُكَ الصَّالِحُونَ، يا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ وَأَجْوَدَ مَنْ أَعْطى، أَعْطِنِي سُؤْلِي فِي نَفْسِي وَأَهْلِي وَوالِدَيَّ وَوُلْدِي وَأَهْلِ حُزانَتِي وَإِخْوانِي فِيكَ، [وَ] أَرْغِدْ عَيْشِي، وَأَظْهِرْ مُرُوَّتِي، وَأَصْلِحْ جَمِيعَ أَحْوالِي».
إلهي، إنّي أسألك أفضل شيء سألك منه عبادك الصالحون.
فأنا لستُ بصالح!
أُحبُّ الصالِحينَ ولَستُ مِنهم *** لَعَلَّ اللهَ يرزُقُني صلاحًا إذن، أنا لست صالحًا لكي أسألك، غير أنّني أسألك ـ لكن بفضلك ـ نفسَ المسائل المرضيّة التي سألك إيّاها صالحو العالم وذاكروه ومخلِصوه ومخلَصوه، الذين ساروا نحوك، ووصلوا إليك، وكانت لديهم مناجاة معك، وخلوة بك؛ إذ لو تفضّلت عليّ بهذه المسائل، فلن ينقص شيء من خزائنك؛ فتفضّل عليّ بها!
فهذه الليلة هي ليلة الثامن والعشرين من شهر رمضان؛ وها هو هذا الشهر الفضيل ينقضي! فلا تنظر إلينا، بل انظر إلى ذاتك؛ لكن، يبقى أنّ هذه المحبّة مكنونة في قلوبنا، بحيث نرى أنّ الأشياء التي يطلبها الصالحون منك هي أشياء جميلة؛ ونحن نُريدها أيضًا؛ لكن، ماذا عسانا أن نفعل؟! فالفقر والحاجة والحرمان والثقل والظلمة والذنوب والأماني والمحن والتعلّقات لا تسمح بانجذاب أنفسنا إلى مقامك المقدّس.
فالصالحون ساروا، ووصلوا، وسألوك؛ ونحن نقول باختصار: تفضّل علينا نحن أيضًا بما تفضّلت به عليهم، واستجب لنا بكرمك، ولا تتوقّع منّا هكذا أعمال؛ فنحن كسالى، ولا يصدر منّا أكثر من ذلك؛ وحينئذ، إن شئت أن تتفضّل علينا، فلك الحمد والشكر، وإن لم تشأ ذلك، فلن توجد لدينا أيّة مشكلة؛ غير أنّنا سنسألك!
