
سعة الرحمة الإلهيّة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ- الجلسة التاسعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن شمول فيض الله تعالى حتّى للجاحد ربوبيّته، ثمّ أشار إلى السرّ في استيعاب الرحمة الإلهيّة لغير السائل؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ المحروم هو من حرم نفسه؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى نموذج بديع على سعة الفيض الإلهيّ؛ ثمّ تحدّث عن أنّ الله تعالى هو وحده القادر على مدح نفسه؛ مُنبِّهًا إلى أنّ الموجودات بأجمعها مستهلِكة لا مولِّدة؛ وأشار كذلك إلى أهمّية الإلحاح على الله تعالى في السؤال، وأنّ المنبع اللامتناهي لا يَنقُص بالعطاء؛ ليختم كلامه بالحديث عن أهمّية توسّل السائل بمحبّة الصالحين وسؤالهم.
سعة الرحمة الإلهيّة
13«فَلا تُعرِض بِوَجهِكَ الكَريمِ عَنِّي».
فوجهك كريم، وليس عبوسًا ومُقطَّبًا، حيث توجد بعض الوجوه التي إذا نظر إليها الإنسان، لزمه بالضرورة أن يدفع كفّارةً، بحيث ينبغي على الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى من أن يسألها شيئًا من الأشياء! وتوجد حكاية من هذا القبيل ذكرها الشيخ سعدي في كتابه الجلستان (روضة الورد)، وجاء فيها:
بــه تمنّــای گوشــت مــردن بِــه *** کــه تقاضــای زشــت قصّــابان۱ [يقول: أن تموت وأنت تتمنّى أكل اللحم أفضل من سؤالك القبيح من القصّابين]
لكن، إذا كان الوجه كريمًا، فإنّه سيكون مفيضًا ولطيفًا وودودًا؛ فإذا سأل الطفل والدَه شيئًا، فلن يتشاجر معه، ولن يضربه على قفاه، بل سيُلاطفه، ويمسح بيده على رأسه، ويمنحه ما يُريد؛ ولهذا، فإنّ هذا الطفل يُحبّ دائمًا أن يجري، ويرتمي في حضه أمّه وأبيه، ويسألهما شيئًا ما.
وهذا بخلاف ما إذا كان الأب عبوسًا ومقطّبًا وجهه، بحيث ما إن يفتح ابنه فمه، حتّى يعلم بأنّه سيتلقّى ضربة على قفاه؛ ففي هذه الحالة، لن يطلب منه هذا الابن شيئًا بتاتًا؛ إلى درجة أنّه لو اشتهى يومًا ما حلوى أو سكاكر، لما تجرّأ على ذكر ذلك لأبيه أو أمّه!
لكنّ وجهك أنت كريم؛ فلا تُعرض عنّي بوجهك الكريم هذا! ولا تُدر بهذا الوجه عنّي!
أهمّية الإلحاح على الله تعالى في السؤال
«واقبَل مِنِّي ما أَقولُ».
وباختصار، لا بدّ أن تقبل كلامي؛ فحتّى إن لم ترحم، فلا بدّ أن ترحم؛ فإن أردت أن ترحمني، فبها ونعمت؛ وإن لم تُرد أن ترحمني، فالأمر كما تشاء أنت؛ غير أنّك "ابتُليت بنا"، فلا بدّ أن ترحمنا! وخلاصة القول، فإنّ سؤالنا هو بهذا النحو، وهو سؤال متسوّل يقول: «إن شئت أعطيت، وإن شئت لم تُعط؛ فالأمر يرجع إليك؛ لكن، في جميع الأحوال، لا بدّ أن تُعطينا!»؛ ولا يخفى أنّ هذا النوع من السؤال جيّد!
«فَقَد دَعَوتُ وأنَا أَرجو أن لا تَرُدَّني مَعرِفَةً مِنِّي بِرَأفَتِكَ ورَحمَتِكَ»؛
فقد مدحتك وذكرتك بواسطة هذا الدعاء الذي قرأته وهذه المناجاة التي ناجيتك بها، وكلّي أملٌ ألاّ تردّني؛ لأنّني اطّلعتُ على رأفتك ورحمتك، وأنا عالم بأنّك رحيم ورؤوف؛ ولهذا، فإنّني أدعوك وأسألك؛ وعلاوةً على ذلك، فإنّني فقير، وقد أتيت إلى باب بيتك، ولن أغادر هذا الموضع، بل سأظلّ جالسًا هنا!».
- الجلستان (روضة الورد) لسعدي، الباب الثالث، في فضيلة القناعة، الحكاية ٩.
