
سعة الرحمة الإلهيّة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ- الجلسة التاسعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن شمول فيض الله تعالى حتّى للجاحد ربوبيّته، ثمّ أشار إلى السرّ في استيعاب الرحمة الإلهيّة لغير السائل؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ المحروم هو من حرم نفسه؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى نموذج بديع على سعة الفيض الإلهيّ؛ ثمّ تحدّث عن أنّ الله تعالى هو وحده القادر على مدح نفسه؛ مُنبِّهًا إلى أنّ الموجودات بأجمعها مستهلِكة لا مولِّدة؛ وأشار كذلك إلى أهمّية الإلحاح على الله تعالى في السؤال، وأنّ المنبع اللامتناهي لا يَنقُص بالعطاء؛ ليختم كلامه بالحديث عن أهمّية توسّل السائل بمحبّة الصالحين وسؤالهم.
سعة الرحمة الإلهيّة
11فالعالم بأجمعه يكذب؛ لكن لا يوجد أيّ إشكال في هذا الأمر؛ أ فهل يوجد أيّ إشكال في أن يكون كلّ العالم من أهل المجاز؟! أجل، يُستثنى من ذلك الذي أدرك أنّه فقير إلى الله تعالى؛ فهذا وحده يستطيع أن يقول: «أنا فقير»!
يقول أحد رفقائنا في النجف:
سمعت أنّ المرحوم القاضي رحمة الله تعالى عليه كان يعقد مجلسًا في شهر رمضان في نفس هذه الساعات (الساعة الثالثة أو الرابعة بعد حلول الليل)؛ فكان تلامذته يذهبون للجلوس عنده لمدّة ساعة ونصف، فيتحدّث إليهم قليلاً.
(يقول): لم أكن من تلامذة المرحوم القاضي؛ لكن، ذات ليلة، قلت في نفسي: «لأذهب إلى هناك، كي أسمع ما الذي يقوله».
فذهبت عنده من دون الولوج إلى وسط المجلس، وبقيت جالسًا في الخارج؛ فتحدّث لمدّة نصف ساعة؛ وحينما خرجت من بيته، انتابني شعور خاصّ، بحيث كنت أرى بكلّ وضوح أنّه: إمّا أنّني صرت مجنونًا، أو أنّ جميع الناس مجانين!
ولا يخفى أنّ كلامه صحيح؛ أي: إمّا أنّه صار بنفسه مجنونًا، أو أنّ جميع الناس مجانين، حيث يُراد من ذلك أنّ هذا الطريق لا يتّحد في المسار مع طريق الناس الذي هو عبارة عن طريق المجاز؛ إذ يتخيّل هؤلاء الناس أنّ الغرور والبطلان هو طريق الحقيقة؛ فيعدّ الإنسان نفسه مالكًا، ويتوفّر على مُكنة وسلطة وعلم ومكانة وحكومة؛ في حين أنّ ذلك كلّه باطل وفارغ؛ لأنّ ذات هذا الإنسان فقرٌ، والإمكان مستقرّ في قعر ذاته؛ فلا يقدر بتاتًا على ارتداء لباس العزّة، بل إنّ هذا اللباس لا يليق به أبدًا!
«الكِبريَاءُ إِزاري والعَظَمَةُ رِدائي»۱؛ فإذا ارتدى العبدُ والغلامُ لباس السيّد، فلن يليق به بتاتًا، وسيقول بنفسه في داخله: «لا يُناسبني هذا اللباس بتاتًا»؛ وذلك نظير طفلٍ وضع على جسده لباس رجل سمين وكبير، أو ولدٍ يبلغ من العمر عامين أو أربعة أعوام أمسك بيده لباس أحد الأبطال، أو ثعلبٍ اكتسى جلدَ أسد؛ فهو ثعلب، وليس بأسد؛ وحتّى لو ظلّ على تلك الحال لمدّة ألف سنة، فإنّ ارتداءه لباس الأسد لن يُصيّره أسدًا!
الموجودات بأجمعها مستهلِكة لا مولِّدة
- التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، ص ٣٦:
«[قال الإمام عليه السلام... قال اللهُ تعالى:] يا موسى، إنَّ الفخرَ [العَظَمَةَ] رِدائي، والكِبرياءَ إزاري، مَن نَازَعَني في شيءٍ مَنهُما، عَذَّبتُه بِناري».
- التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، ص ٣٦:
