
الخطوة الصادقة
المرأة والأسرة - قم - الجلسة الثانية
صدّر الحديث بالكلام عن باطن العبادة وأنّها مناط القبول والرفض وأنّه يمثّل جانب التقوى وعدمها. ثمّ نبّه أنّه علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب دون البحث عن مصاديقها بيننا. ومحور المحاضرة هو كون الصدق هي الخطوة الأولى والأساسيّة في طريق السلوك وهي مناطه، وإلّا ابتُلي المرء بمهْلكةٍ لا توبة فيها ولا مخرج له منها إلّا عناية خاصّة مِنَ الله أو سيف إمام الزمان ذي الحدّين، لأنَّ البَنّاء إن وضع اللَّبِنَة الأولى بشكل منحرف فسيعوجّ البناء وإن بلغ الثريا في ارتفاعه. ثمّ أسحب في بيان صور تلك الانحرافات.
الخطوة الصادقة
4إنَّ ملكوت العبادات وجانبها الربطيّ يعتمد على نيّة الإنسان؛ فإن كانت تلك النيّة غير سليمة – لا سامح الله – كأن تكون لنفس الإنسان خصومة مع المؤمنين، فلن يُرفع عمله ذاك إلى الأعلى وسيبقى مكانه. فصلاة الليل تخضع لنفس هذه القاعدة، فإن كانت هنالك خصومة نفسانيّة لأحدهم مع أحد إخوته المؤمنين فلن يقبل جناب الحقّ صلاة الليل تلك، ولن يستفيد الشخص مِنَ الذكْر والورد الّذي يأتي به.
عندما كان المرحوم العلّامة رضوان الله عليه في طهران، حصلتْ خصومة بين شخصين مِنْ أصدقائه ورفقاء الطريق، فقال لهما: لا يجوز لكما أن تحضرا جلسة عصر الجمعة ما لم تجدا حلّاً لنزاعكما، لأنَّ هذا الحضور لن يكون مفيدًا لكما بل سيُلحق الأذى بالآخرين أيضًا. ومسألة إلحاق الضرّر بالآخرين كانت واضحة في هذا المورد، إذ عندما يحضر المرحوم العلّامة هذه الجلسة كان يلاحظ بوضوح أنّها فاقدة للجوّ المناسب وللروح، والسبب في ذلك يعود إلى الخصومة الموجودة بين هذين الشخصين.
هل يمكن أن تحصل خصومة بين سالكي الطريق إلى الله ؟! فها نحن نرى كيف يدعو كلّ واحد منهما الله، في الوقت الّذي يكُنّ العداوة لغيره، فهل يمكن الجمع بين الحالين ؟! إن كان الأمر كذلك، فأيّ إله هذا الّذي تعبده ! أتعبد إلهًا يدعو إلى الحرب والمخاصمة أم الإله الّذي يدعو إلى الصلح والألفة والصداقة ؟! إنَّنا نقوم بخداع أنفسنا بعملنا هذا. هذا فيما يتعلّق [بهذا السؤال].
علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب لا أن نبحث عن مصاديقها بيننا
قلتُ لكم في المجلس السابق أنَّ المرتبة الأولى والخطوة الأولى في الطريق إلى الله تتمثّل في الصدق. ويبدو أنّنا مهما تأمّلنا في هذا الموضوع وتكلّمنا عنه لن نوفّي حقّه.
ولقد تصوّر البعض أنَّني قصدتُ شخصًا بعينه أو مجموعة خاصّة عندما كنتُ أتكلّم عن هذا الموضوع. كلّا، لم أكن أقصد أيّ شخص في ذلك. وعمومًا، قبل أن أبدأ الحديث عن هذا الموضوع، أريد أن أقول أنّه عليكم أن لا تبحثوا عن مصداق الحديث، فعندما لا يريد المتكلّم أن يذكر المصداق فمِنْ غير المستحسن أن يتمّ البحث عن ذلك المصداق. يحصل أحيانًا أن يقصد المتكلّم مصداقًا خاصّا في حديثه ويقوم هو بالإشارة إلى ذلك المصداق كأن يقول: إنَّ هذا الموضوع يتعلّق بفلان مِنَ الناس، فهذا أمرٌ آخر، أمّا عندما لا يبيّن المتكلّم مصداق حديثه، فما هو الداعي إلى البحث عن المصداق، ولماذا يتمّ الإصرار على محاولة معرفته، فلماذا يتمّ تتبّع هذا الموضوع ؟! فأنا المتكلّم لا أريد أن أبيّن مصداق حديثي، فلعلّ بيانه يكون غير مناسب . فما يمكن أنّ يفيد الإنسان هو بيان المطلب والوصول إلى روح الموضوع، أمّا الدخول في الجزئيّات والتحرّي عن المصداق وتفاصيل الموضوع يترك أثرًا سيئًا على نفس السالك. فإن كان الموضوع المطروح صحيحًا، فعلى الإنسان أن يلتزم به، ولا شأن له بما سواه [كمصاديقه وجزئياته]. وإن واجه مسألة، فعليه أن يتأمّل فيها، ولا شأن له بما سواها. كان هذا هو دأبي في مطالعاتي منذ البداية، فعندما كان يطرق سمعي موضوعًا كنتُ أفكّر في نفس الموضوع دون أن ألتفت إلى الكاتب أو المتكلّم، وبعد أن أنتهي من ذلك أنظر لأرى مَنْ يكون ذلك الشخص.
