
الخطوة الصادقة
المرأة والأسرة - قم - الجلسة الثانية
صدّر الحديث بالكلام عن باطن العبادة وأنّها مناط القبول والرفض وأنّه يمثّل جانب التقوى وعدمها. ثمّ نبّه أنّه علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب دون البحث عن مصاديقها بيننا. ومحور المحاضرة هو كون الصدق هي الخطوة الأولى والأساسيّة في طريق السلوك وهي مناطه، وإلّا ابتُلي المرء بمهْلكةٍ لا توبة فيها ولا مخرج له منها إلّا عناية خاصّة مِنَ الله أو سيف إمام الزمان ذي الحدّين، لأنَّ البَنّاء إن وضع اللَّبِنَة الأولى بشكل منحرف فسيعوجّ البناء وإن بلغ الثريا في ارتفاعه. ثمّ أسحب في بيان صور تلك الانحرافات.
الخطوة الصادقة
3وما هو هذا الجانب الباطنيّ ؟ إنَّه حالة العبوديّة والرِّقيّة۱، حيث يُضحّي الإنسان بنفسه أمام إرادة الله ومشيئته، فيجعل كامل نفسه – بتمام معنى الكلمة – وبجميع جوانبها، تحت إرادة الله ومشيئته، فيخضع بكامل وجوده أمام الوجود الحيّ القيّوم الأبديّ ويتواضع له، ويأخذ في قتل ومحو أنانيّته ونفسانيّاته وشؤونه الشخصيّة، فيُرسل كافّة رسوم الجاهليّة إلى مذبح المعبود، ثمّ يقوم أخيرًا بتقديم وجوده الّذي هو عبارة عن إنيّته ونفسه إلى جناب المحبوب .. هذا هو جانب التقوى الّذي هو روح وباطن العمل. فإن راعى الإنسان هذه الأمور عند التضحية، فستقبل أضحيته، وإلّا فلا.
وهذا ما حصل مع هابيل وقابيل٢، حيث أمرهما الله أن يقدّما مقدارًا مِنْ أعمالهم قربانًا إليه ليرى إن كان موردًا لرضاه وقبوله؛ كان قابيل يعمل في الزراعة وكانت لديه أرض يزرعها بالحنطة، فأخذ حزمة مِنَ الأغصان الرديئة والبالية مِنْ محصوله ليقدّمها كنموذج مِنْ غرسه إلى الله بعنوانِ قربانٍ. أمّا هابيل فكان راعيًا للغنم، فاختار أفضل ما في قطيعه مِنَ الأغنام، اختار الأكبر والأسمن بينها وقدّمه بعنوانِ قربانٍ. أتلاحظون كيف أنَّ انتخاب كلّ واحد منهما كان متفاوتًا عن انتخاب الآخر منذ البداية . فلِمَ يحصل ذلك ؟ إنَّ ذلك يحصل بسبب تفاوت النوايا مِنَ البداية.
قال المرحوم الشيخ الأنصاريّ رضوان الله عليه: عندما اُستَضاف في منزل كنتُ أعرف مِنْ خلال الشاي الّذي يُقدّم إليَّ إن كانت ربّة البيت راضية بقدومي أم لا. فما السبب في ذلك ؟ إنَّ السبب يعود إلى أنَّ الروح والنفس تترك أثرًا في ذلك الشاي، فيصبح الشاي إمّا مكدّرًا أو مُنعشًا يجلب السرور والبهجة، فيكون إمّا نورانيّا أو ظلمانيّاً. وهكذا بالنسبة للأشياء الأخرى.. فلكلّ عمل ملكوت خاصّ به يترك أثره عليه، حتّى لو كان تحضيرَ شايٍ، الّذي هو أبسط ما يمكن أن يُقدّم إلى الضيف، إذ لا يتطلّب تحضيره سوى إشعال النار ووضع إبريق الشاي عليها، نعم إنَّه عمل في غاية البساطة.
ولهذا السبب بقيت هدية قابيل في مكانها، أمّا الخروف الّذي قدّمه هابيل فنزلت عليه صاعقة مِنَ السماء وأحرقته، ممّا يعني أنَّه قد تمّ قبوله.
- الرقيّة أي العبوديّة.
- هابيل وقابيل هما أبنا النبيّ آدم عليه السلام.
