
الخطوة الصادقة
المرأة والأسرة - قم - الجلسة الثانية
صدّر الحديث بالكلام عن باطن العبادة وأنّها مناط القبول والرفض وأنّه يمثّل جانب التقوى وعدمها. ثمّ نبّه أنّه علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب دون البحث عن مصاديقها بيننا. ومحور المحاضرة هو كون الصدق هي الخطوة الأولى والأساسيّة في طريق السلوك وهي مناطه، وإلّا ابتُلي المرء بمهْلكةٍ لا توبة فيها ولا مخرج له منها إلّا عناية خاصّة مِنَ الله أو سيف إمام الزمان ذي الحدّين، لأنَّ البَنّاء إن وضع اللَّبِنَة الأولى بشكل منحرف فسيعوجّ البناء وإن بلغ الثريا في ارتفاعه. ثمّ أسحب في بيان صور تلك الانحرافات.
الخطوة الصادقة
20كنت أستمع إلى الأخبار هذا اليوم، فسمعتُ في حدود الساعة الثانية إعلان وفاة السيّد مهدي الروحاني رحمة الله عليه، وكنتُ قد سمعت أنَّه كان مريضًا. لقد كان رجلاً نقيّا جدّا وفاضلًا ومجتهدًا، وكان مخلصًا وصافيًا وصادقًا، نعم لقد كان صادقًا. فهل كان مِنْ أهل العرفان ؟ كلّا، لم يكن كذلك، فلم يكن مِنْ أهل العرفان ولا الفلسفة، ولكن عندما كان المرحوم العلّامة يأتي إلى قم غالبًا ما كان يذهب لزياته في بيته وكنت أصاحبه، لماذا ؟ لأنَّه كان إنسانًا نقيّا وصادقًا. فهل يجب أن يكون الإنسان مِنْ أهل العرفان لكي نقيم علاقة معه ؟! وهل نزلت آية في القرآن تصـرّح بضرورة أن يكون جميع الناس مِنَ العرفاء والسالكين ؟! فهل نحن طائفة مصطفاة ومتميّزة عن الآخرين ؟! فقد كان رجلًا مستقيمًا في أمره، محترمًا، مؤمنًا، مخلصًا، صافيًا .. نسأل الله أن يحشره مع الأولياء.
هل يُخبر أحد بالموت قبل حلوله ؟ كلّا، بل يأتي فجأة فيقول: تفضّل، أهلًا وسهلًا بك. أقسم بالله – وأنا الآن أتكلّم معكم – أنَّني لا أعلم شيئًا عمّا سيحصل لي في الغد، نعم أقسم وأقول: والله وبالله – ووقت الغروب يقترب الآن وعلَيَّ أن أنهي حديثي وأرى إن كنتُ صادقًا معكم أم لا – ليس بالضرورة أن أعلم ما سيحصل لي في الساعة القادمة ولا داع يوجب ذلك. نعم، يجب علَيّ الآن في وضعي هذا أن أتفحّص كوني صادقًا مع المجريات أم أنّني أُخفي الحقائق وأغضّ الطرف عنها وأعبر عليها. اعلموا أنّه في الوقت الّذي نريد أن نتملّص مِنْ مسؤولياتنا وأن لا نسمع الكلام، نكون قد خُدعنا. فلا تعرّضوا أنفسكم للخداع، هل إلتفتم !
إنَّ الصدق يمثّل الخطوة الأولى في طريق السلوك. هناك الكثير مِنَ المدارس، وهنالك الكثير مِنَ الادّعاءات، والكثير مِنَ الدعوات للالتحاق بها، فلماذا اخترنا مدرسة عرفان المرحوم العلّامة مِنْ بينها، لماذا ؟ لأن هذه المدرسة مبنيّة على الصدق، وهي مدرسة صحيحة وواضحة ومتطابقة [ للواقع].
كان جدّي المرحوم الحاجّ معين رحمه الله، يمتدح شخصًا يومًا ويقول عنه بأنَّه قد تجاوز نفسه وما شابه ذلك. فقلتُ له: لا يا جدّي، إنَّ الأمر ليس بهذا الشكل. فقال: أنت مخطئ، فهذا الرجل قد تجاوز نفسه، وفلان يقول ذلك أيضًا. قلتُ له: لا شأن لي بما يقوله فلان وفلان، فأنا قد رأيت منه أشياءً بنفسي، فلا يهمني ما يقوله الآخرون وأنا لم أكن هناك لأسمع منه صحّة ما يُنقل عنه،فأمثال هذه الحكايات تُنقل بالآلاف عن الناس، أمّا بالنسبة ليومِنْ خلال معاشرتي له أراه إنسانًا غير صادق. إلّا أنّ جدّي أصرّ قائلًا: أنت مخطئ فيما تقول. فقلتُ له: حسنًا، سأريك ذلك يومًا.
