
الخطوة الصادقة
المرأة والأسرة - قم - الجلسة الثانية
صدّر الحديث بالكلام عن باطن العبادة وأنّها مناط القبول والرفض وأنّه يمثّل جانب التقوى وعدمها. ثمّ نبّه أنّه علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب دون البحث عن مصاديقها بيننا. ومحور المحاضرة هو كون الصدق هي الخطوة الأولى والأساسيّة في طريق السلوك وهي مناطه، وإلّا ابتُلي المرء بمهْلكةٍ لا توبة فيها ولا مخرج له منها إلّا عناية خاصّة مِنَ الله أو سيف إمام الزمان ذي الحدّين، لأنَّ البَنّاء إن وضع اللَّبِنَة الأولى بشكل منحرف فسيعوجّ البناء وإن بلغ الثريا في ارتفاعه. ثمّ أسحب في بيان صور تلك الانحرافات.
الخطوة الصادقة
15لاحظوا كيف أنَّ قضية الصدق الّتي نتحدّث عنها تجد لها مصداقًا آخر هنا: فعندما ألقى أمير المؤمنين على الخوارج الحجّة، تراجع ثمانية آلاف مِنَ الاثني عشـر ألفًا الّذين كانوا هناك، أمّا الأربعة آلاف الآخرين فكانوا مِنَ الّذين انغرست مساميرهم إلى آخرها في الأرض. فعندما كان أمير المؤمنين يقول لهم: إن كان لديكم كلام يتعارض مع ما قلته، فتعالوا واطرحوه، وإن كنتم تجدون في كلامي خطأً، فبيّنوه لي. فكانوا يجبونه: لقد كفرت يا عليّ، ويجب علينا قتالك.
فعندما يصل الأمر إلى هذا الحدّ، فمِنَ المعلوم كيف ستكون العاقبة. ما الّذي يمتلكه أمير المؤمنين في دفاعه عن حقّه غير الكلام والتباحث، وأيّ طريق سيسلكه معهم غير محاولة إقناعهم، فهو لا يستخدم أسلوب الإجبار والهراوات، فهو ليس مِنَ الّذين يلجؤون إلى الهراوات واللعن والطرد وتحريم السلام على المخالفين والإعراض عنهم وما شابه ذلك. نعم لم يكن ممّن يستخدمون هذه الأساليب، بل كان مِنْ أهل البحث والمناقشة، فكان يقول لهم: تعالوا لكي نجلس ونتحدّث. فيُجيبون: لا يا علِيّ، لسنا مستعدّين لسماع كلامك.
ما الّذي فعله الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء ؟ كان يخطب في أتباع يزيد، وهم يضعون أصابعهم في آذانهم .. استمعوا له أيّها القوم، فكان عليكم أن تستمعوا لكلامه، وإن كان في كلامه كفر – والعياذ بالله – إلّا أنّهم قالوا: لا نريد أن نستمع إليه، ولا نريد أن نعرف ما يقول، نعم لا نريد ذلك أبدًا أبدًا. وبذلك أصبح معلوم أنَّ الطريق الّذي يسلكونه مخالفٌ.
ترسم نرسى به كعبه اى اعرابى *** كين ره كه تو ميروى به تركستان است۱ [يقول: أخشى أن لا تصل إلى الكعبة أيّها الأعرابيّ، لأنَّ الطريق الّذي تسلكه يؤدّي إلى بلاد الترك]
إذن فالخطوة الأولى والأساسيّة الّتي على السالك أن يخطوها هي الصدق، أي: يجب علينا – بيننا وبين الله – أن نتعامل بصدق ووفق معتقداتنا [الصحيحة]، فلا نُلقي بغشاوة على أعيننا ونكتفي بالقول: نأمل أن يكون الأمر بشكل آخر. وعندما تتّضح لنا الحقيقة علينا أن لا نضع رأسنا في التراب، بل علينا أن نجلس ونتحدث ونسأل لنعرف.
- كتاب گلستان سعدي، الباب الثاني، الحكاية رقم ٦.
