
الخطوة الصادقة
المرأة والأسرة - قم - الجلسة الثانية
صدّر الحديث بالكلام عن باطن العبادة وأنّها مناط القبول والرفض وأنّه يمثّل جانب التقوى وعدمها. ثمّ نبّه أنّه علينا أن نتوجّه إلى روح المطالب دون البحث عن مصاديقها بيننا. ومحور المحاضرة هو كون الصدق هي الخطوة الأولى والأساسيّة في طريق السلوك وهي مناطه، وإلّا ابتُلي المرء بمهْلكةٍ لا توبة فيها ولا مخرج له منها إلّا عناية خاصّة مِنَ الله أو سيف إمام الزمان ذي الحدّين، لأنَّ البَنّاء إن وضع اللَّبِنَة الأولى بشكل منحرف فسيعوجّ البناء وإن بلغ الثريا في ارتفاعه. ثمّ أسحب في بيان صور تلك الانحرافات.
الخطوة الصادقة
10والسؤال الّذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تجري الأمور بهذا الشكل ؟! ولماذا يعمل الإنسان على التغطية عندما يرى حقّا يُهضم ؟! لماذا يحصل هذا وما هو السبب وراءه ؟! وأيّ سؤال هذا الّذي لم نعثر له على جواب حتّى الآن ؟! نعم، أيّة قضيّة هذه ؟! ففي أيّ تصرّف للعظماء رأينا شيئًا كهذا ؟! أتلاحظون ؟!
قلتُ للأعزّة والأحبّة في المجلس السابق أنَّ السلوك لا ينسجم مع الألاعيب السياسيّة والحيلة والخداع والتصادم مع الآخرين. ومعرفة هذه الأمور لا تحتاج إلى كثير تأمّل، فعدم انسجام هذه الأمور مع طريق السلوك لهو أمر واضح للعيان. إذن فأوّل خطوة للسالك في هذا الطريق يجب أن تكون خطوة صادقة، وعليه أن يختبر نفسه في ذلك، وأوّل اختبار يتمثّل في أن يسأل نفسه: هل يوجد في مذهب الإمام الصادق عليه السلام – ما نراه [عند البعض اليوم] – طردٌ وإهانة وعدم السماح للمناقشة وما شاكل ذلك ؟! كان الإمام الصادق عليه السلام يتباحث في المسجد الحرام مع ذلك الزنديق الّذي لا يؤمن بالله مِنَ الأساس، ولم يحصل أن قال الإمام لأحد منهم: إنَّك ملعون أيّها الزنديق فاخرج مِنَ المسجد أوّلًا فأنت تنجّسه. أو قال له: أنا لا أتكلّم معك لأنَّك لست إنسانًا ولأنّك زنديق. كلّا، لم يحصل شيء مِنْ هذا، بل كان الإمام يقول: إن كان لديك ما تطرحه فتعال واطرحه.
نعم، فكلامي هو عن وجوب كون الخطوة الأولى للسالك صادقة. فهل فعل ذلك أولئك الّذين يدّعون أنَّهم يسلكون هذا الطريق ؟! وهل حضروا عندي وقالوا لي: هذه أدلتنا وتلك أدلّتك [فلننظر فيها] ؟! هل فعلوا مثل هذا ؟ هذا ما كنتُ أريد قوله. فإن لم يحضروا، فاعلموا أنَّهم غير صادقين، بل هم مِنَ الخائنين للمرحوم العلّامة ولهذه المدرسة، كائنًا مَنْ يكون، إذ كلّ مَنْ كان كذلك فهو خائن للمرحوم العلّامة ولهذه المدرسة، وسيقتصّ الله منه يوم القيامة.
لقد عانى المرحوم العلّامة ما عاناه مدة اثنين وسبعين سنة، حتّى احدودب ظهره وكُسرت عظامه وأصاب عينيه وقلبه ما أصابهما، فلِم حصل كلّ ذلك ؟ إنَّه حصل مِنْ أجل أن يُعرّف الناس العرفان بكلّ صدق، لا باستخدام الحيلة والخداع والنفاق والرياء واستغفال الناس بإطالة اللحى. نعم، لم يستخدم مثل هذه الأساليب، بل تعامل مع الناس بكلّ صدق، فقال: هذا أستاذي ووليّ، فاختبروه واسألوه، ثمّ إن شئتم قبلتم به أو رفضتموه . ولقد بيّن ذلك في الكتاب الّذي ألّفه، فتفحّصوا لتروا هذا الأمر بأنفسكم؛ فهل كان قد قال لا تسألوا عن هذا الأمر، فليس مِنَ المصلحة أن تبحثوا لأنَّ حال أستاذي السيّد الحدّاد لا يساعد على ذلك ؟! هل حصل أن طرح مثل هذا الكلام في مكانٍ ما حتّى الآن ؟! هل قال لأحدٍ: ما دمتَ قد رأيت منامًا أو مكاشفة، فعليك أن تعمل بها ؟! [أقول:] مَنْ كان قد رأى منامًا، فذلك له، وهو لا يُلزم الآخرين في شيء لأنَّهم لم يروا مثله. ولهذا السبب نقول أنَّ مدرسة العرفان، ومدرسة المرحوم العلّامة هي مدرسة الصدق.
