
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن خضوع كافّة الموجودات لله، ثمّ أشار إلى عجز الإنسان وانقطاع حجّته أمامه تعالى؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ الباري عزّ وجلّ هو المتّكأ الوحيد للإنسان؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى مسألة تطلّع الإنسان لكرم الله تعالى ومعروفه؛ ثمّ تحدّث عن علّة نزول الإنسان من عالم الملكوت إلى الدنيا؛ مُنبِّهًا إلى أنّ نار البعد عن الله تعالى أعظم من النار الظاهريّة؛ وأشار كذلك إلى أنّ الاعتراف بالذنب والتقصير رأس مال الإنسان في الطريق إليه تعالى؛ ليختم كلامه بالحديث عن غربة الإنسان في الدنيا ووحدته في القبر وطريق رفعهما.
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
4«وَطاشَ عِندَ سُؤالِكَ إيَّايَ لُبّي».
وحينما تسألني، يصير عقلي وإدراكي فارغًا، ويفقد لبّي وعقلي قوّة الدفاع، ويصير متّصفًا بالخفّة، فلا يقوى على الدفاع.
فأنا أعتمد في أعمالي على قلبي وقوّتي العاقلة، حيث يدلّني هذا العقل على بعض الطرق، ويُلجئني للمشي فيها؛ لكن، حينما تسألني، فإنّ قلبي يتوقّف، حيث يُراد هنا من القلب: القلب الحقيقيّ الذي يُعدّ مركزًا للإدراكات. فبما أنّ أفكاري قائمة بأجمعها على أساس الباطل؛ في حين أنّك تطرح على الإنسان سؤالاً حقًّا، فإنّ قلبي المليء بمخزون فكريّ خياليّ لا يقدر على الثبات في عالم الواقع والوجدان، ولا يتمكّن من الاستقامة هناك؛ ولهذا، فإنّه يهلك!
«فَيا عَظيمَ رَجائي»؛
«لا تُخَيِّبني إذا اشتَدَّت فاقَتي»؛
فحينما يزداد فقري، وتتضاعف فاقتي، وأصير عاجزًا، ولا يعود قلبي قادرًا على التفكير ولا على مساعدتي، ويتوقّف لساني عن الكلام، وتنقطع حجّتي، أعنّي حينئذ، ولا تُؤيسني!.
«ولا تَرُدَّني لِجَهلي».
فأنا أعترف بنفسي بأنّني جاهل؛ ولهذا، أثناء هذه المرحلة من المساءلة، حينما يستوعب الجهلُ كافّة أرجاء وجودي، لا تُلق بعنان هذا الجهل بيدي، بل أمسكه بيدك، وتغاضَ عن جهلي، وسَيِّرني [في الطريق].
«ولا تَمنَعني لِقِلَّةِ صَبري».
فلا تجعلني أتخلّف عن القوافل التي رحلت! حيث كان هؤلاء يتمتّعون بالرشاقة؛ ولهذا، تقدّموا إلى الأمام، وتمكّنوا من بلوغ مجموعة من المقامات والأهداف؛ بينما لم تكن لي طاقة على التحمّل، وكان صبري قليلاً، فتخلّفتُ؛ فلا تقطعني، ولا تمنعني بسبب ذلك!
فأنت أرحم الراحمين، وبمقدورك إعانتي وتحريكي.
«أعطِني لِفَقري وارحَمني لِضَعفي».
أعطني؛ لأنّني فقير، والفقير يجب أن يُعطى! وارحمني، لأنّني ضعيف، والضعيف من شأنه أن يُرحم!.
فالأغنياء ليسوا بحاجة لكي يوهب لهم شيء من الأشياء؛ كما أنّ الأقوياء الذين لديهم مُكنة لا يحتاجون إلى الرحمة؛ لكن، بما أنّني فقير وضعيف، فإنّني أفتقر إلى عنايتك ورحمتك.
الله تعالى هو المتّكأ الوحيد للإنسان
«سَيِّدِي عَلَيْكَ مُعْتَمَدِي ومُعَوَّلِي ورَجَائِي وتَوَكُّلِي، وبِرَحْمَتِكَ تَعَلُّقِي، وبِفِنَائِكَ أَحُطُّ رَحْلِي، وبِجُودِكَ۱ أَقْصِدُ طَلِبَتِي، وبِكَرَمِكَ أَيْ رَبِّ أَسْتَفْتِحُ دُعَائِي، ولَدَيْكَ أَرْجُو فاقَتي٢، وبِغِناكَ أَجْبُرُ عَيْلَتِي، وتَحْتَ ظِلِّ عَفْوِكَ قِيَامِي، وإِلَى جُودِكَ وكَرَمِكَ أَرْفَعُ بَصَرِي، وإِلَى مَعْرُوفِكَ أُدِيمُ نَظَرِي؛ فَلَا تُحْرِقْنِي بِالنَّارِ وأَنْتَ مَوْضِعُ أَمَلِي».
- خ ل: «ولِجودِكَ».
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٩٣، مع اختلاف يسير: «أرجو غِنى فاقَتي»؛ المصباح للكفعميّ، ص ٥٩۷.
