
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن خضوع كافّة الموجودات لله، ثمّ أشار إلى عجز الإنسان وانقطاع حجّته أمامه تعالى؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ الباري عزّ وجلّ هو المتّكأ الوحيد للإنسان؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى مسألة تطلّع الإنسان لكرم الله تعالى ومعروفه؛ ثمّ تحدّث عن علّة نزول الإنسان من عالم الملكوت إلى الدنيا؛ مُنبِّهًا إلى أنّ نار البعد عن الله تعالى أعظم من النار الظاهريّة؛ وأشار كذلك إلى أنّ الاعتراف بالذنب والتقصير رأس مال الإنسان في الطريق إليه تعالى؛ ليختم كلامه بالحديث عن غربة الإنسان في الدنيا ووحدته في القبر وطريق رفعهما.
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
13لكنّ لطفك عظيم؛ ولهذا، فإنّه يجذبنا؛ وهذا اللطف مختصّ بك أنت، وليس بنا نحن؛ إذ لا يليق بنا نحن فعل أيّ شيء؛ ونحن نعترف بأنّنا لا نقدر على فعل أيّ شيء؛ فاجعل اعترافنا هذا سببًا ووسيلةً، وأوصلنا [إليك] من نفس المسار الذي جاء منه ذلك البرق الذي سطع من عالم الغيب، وأصابنا بالإجهاد والتعب؛ إذ لو لم نكن نمتلك القابليّة للوصول، لما سطع ذلك البرق، ولما وُجدت فينا هذه الرغبة؛ فكلّ رغبة موجود في الإنسان دليل وعلامة على أنّه يتوفّر على القابليّة لبلوغ تلك الغاية؛ وإلاّ، لما وُجدت فيه تلك الرغبة بتاتًا. فكلّ موجود فاقد لهذه الرغبة لا يتوفّر على أهليّة الوصول؛ فإذا كانت موجودة في الإنسان، فمن الواضح أنّه يتوفّر على شيء ما.
«إلهي، إن عَفَوتَ فَمَن أَولَى مِنكَ بِالعَفوِ»۱ ؟!
فالعفو مختصّ بصاحب القدرة؛ وأمّا الذي يكون مفتقرًا لهذه القدرة، ويعفو، فإنّ عفوه هذا يكون ناشئًا من قلّة الحيلة؛ إذ حينما لا يقدر على فعل أيّ شيء، فإنّه يقول: «لقد عفوتُ!»؛ كلاّ، فالذي يكون قادرًا على الانتقام، ويكون صاحب شوكة، ثمّ يقول: «عفوتُ»، هو الذي يكون مالكًا للعفو، ويكون قد عفا حقًّا! ومن هنا، فإنّ العفو يكون مستحسَنًا إذا صدر من القادر؛ لكن، من عساه أن يفوقك في القدرة؟! والعفو يكون مستحسنًا إذا صدر من الكريم؛ ومن عساه أن يفوقك في الكرم؟! ولهذا، إذا عفوتَ، فلن تكون قد تعاملتَ خلافًا لمقتضى صفاتك، بل ستكون قد تصرّفت طبقًا لنفس هذا النهج؛ وهذا لُطف كبير منك!
فإن عفوتَ، فما أحسن ذلك؛ وإن عذّبت، فلن تكون قد أخطأت، بل ستكون قد عذّبت طبقًا لعدلك؛ لأنّك أمرتنا، فعمدنا ـ نحن العباد ـ إلى مخالفة أوامرك، فحلّ علينا العذاب؛ مع أنّ هذا العذاب نابع من عدلك.٢ لكن، نحن نرجوك ألاّ تُعاملنا بعدلك، بل تُعاملنا بعفوك؛ إذ يصعُب علينا عدلُك كثيرًا، بحيث إذا أردنا أن نضع أنفسنا في ميزان هذا العدل، لتتعامل معنا على أساسه، فإنّ ذلك سكون سيّئًا جدًّا بالنسبة إلينا.
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾٣.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٩٣: «فَمَن أولى مِنكَ»؛ الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٦٩.
- الصحيفة السجّادية، ص ٦۰:
«اللهُمَّ إن تَشَأ تَعفُ فَبِفَضلِكَ؛ وإن تَشَأ تُعَذِّبنا فَبِعَدلِكَ؛ فَسَهِّل لنا عَفوَكَ بِمَنِّكَ، وأَجِرنا مِن عَذَابِكَ بِتَجاوُزِكَ...». - سورة النحل، الآية ٦۱.
