
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن خضوع كافّة الموجودات لله، ثمّ أشار إلى عجز الإنسان وانقطاع حجّته أمامه تعالى؛ مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ الباري عزّ وجلّ هو المتّكأ الوحيد للإنسان؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى مسألة تطلّع الإنسان لكرم الله تعالى ومعروفه؛ ثمّ تحدّث عن علّة نزول الإنسان من عالم الملكوت إلى الدنيا؛ مُنبِّهًا إلى أنّ نار البعد عن الله تعالى أعظم من النار الظاهريّة؛ وأشار كذلك إلى أنّ الاعتراف بالذنب والتقصير رأس مال الإنسان في الطريق إليه تعالى؛ ليختم كلامه بالحديث عن غربة الإنسان في الدنيا ووحدته في القبر وطريق رفعهما.
غربة الإنسان وكرم الله تعالى
10فالمسألة الأساسيّة تتمثّل في السير والحركة، وإلاّ، فإنّ الموجودات بأسرها تبحث عنه تعالى؛ إذ حينما يستيقظ التاجر في الصباح لكي يذهب إلى دكّانه ـ سواءً كان هذا التاجر نصرانيًّا أو يهوديًّا أو مادّيًا أو مشركًا ـ ، فإنّه يكون في صدد البحث عن الله؛ فيبحث عنه في الصباح، وعندما يأتي عنده مُشترٍ، وحينما يكون منهمكًا في عمله، وعندما يكون جائعًا فيتناول الغداء، وحينما ينام، وعندما يرجع في الليل إلى البيت؛ فنجده يقضي أيّامه كلّها بهذا النحو!
وهذا حال كلّ موجود من الموجودات، وكلّ حيوان من الحيوانات؛ وبشكل عامّ، فإنّ عالم الوجود يتحرّك طبقًا لهذه القاعدة، بحيث إنّ حركة الأجرام السماويّة تكون قائمة على أساس العشق، بل إنّ جميع الموجودات صارت تتحرّك بواسطة هذا الشوق والعشق!
«وأَنتَ مَوضِعُ أَمَلي».
نار البعد عن الله تعالى أعظم من النار الظاهريّة
فقد جئتُ، وصرتُ مبتلىً بهذه المصائب لأجلك أنت، وفي سبيل رضاك، ومن أجل الرجوع إليك؛ وإلاّ لما تنزّلت من ذلك العالَم أبدًا؛ وهو العالم الذي كنت أعيش فيه دائمًا تحت الأشجار الخضراء ﴿جَنَّٰاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾۱؛ أجل، يبقى أنّها جنّة مثاليّة خالية من الحرارة والبرودة والجوع والعُري. فلولا ذلك، لما بليتُ نفسي بهذه الشدائد؛ وحينئذ، إذا كان الأمر بهذا النحو، فلا تُحرقني بنار فراقك، ولا تُقصني من رحمتك، ولا تُبعدني عن مقام قُربك؛ فكلّ مرتبة من مراتب الهجران تترافق مع نوع من أنواع الجحيم، حيث تكون هذه الجحيم التي تستعر في القلب أكثر إحراقًا من الجحيم التي في الخارج!
فإذا نظرنا إلى الأمّ التي يكون ابنها مريضًا ويُنازع الموت، أو يكون قد مات فعلاً، سنجد أنّ في قلبها لهيبًا حارقًا، بحيث لو ذهبوا بها إلى أيّ مكان، أو أخذوها إلى أيّ منظر جميل، فإنّ تلك النار تظلّ تشتعل في قلبها، بل حتّى لو أحضروا لها أفضل طعام وأحسن لباس، واصطحبوها إلى أرقى المراكز الترفيهيّة، وسافروا بها إلى أحسن الأماكن، فإنّ تلك النار تظلّ موجودة! فهذه النار هي على درجة عالية جدًّا من الإحراق، إلى حدّ أنّه إذا دخلت تلك الأمّ في النار الظاهريّة، فإنّها ستحترق من دون أن تشعر بذلك؛ فتحترق يدُها، ويحترق لباسُها وبدنها. فحرارة هذه النار كبيرة جدًّا، بحيث لا يبقى للنار الظاهريّة في مقابلها أيّ ظهور، فلا تشعر تلك الأمّ بها.
- سورة البقرة، الآية ٢٥؛ سورة آل عمران، الآيات ۱٥ و۱٣٦ و۱٩٥ و۱٩۸.
