
لماذا يسيطر الفزع على الإمام عليه السلام؟
الحالة الفعليّة الذاتيّة والغيريّة لدى الإمام عليه السلام
ما هو سبب الفزع الأكبر؟ ولماذا يسيطر على الإمام عليه السلام رغم عصمته؟ وما معنى الحالة الفعليّة الذاتيّة والحالة الفعليّة الغيريّة؟ وكيف نطبّقهما على أنفسنا على شخصيّة الإمام لفهم أنواع سلوكه وكلامه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة بشكل أساسيّ في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت من دعاء أبي حمزة الثماليّ. كما تتعرّض لأبحاث أخرى كمعنى الشعر والشعراء، وتقلّب الأحوال، وكيفيّة تحويل الحكومات التي تحت نظر أمير المؤمنين إلى عين حكومته.
لماذا يسيطر الفزع على الإمام عليه السلام؟
14سرّ فزع الإمام السجّاد وسائر الأئمّة عليهم السلام: نظرهم إلى حالتهم الفعليّة الذاتيّة
والإمام السجّاد عليه السلام يقول: هذه هي حالتي، فأنا في حالة فزع، والحال أنّ الإمام عليه السلام لم يرتكب ذنبًا، الإمام عليه السلام لم يعص.
لقد ذكرت في الأسبوع الماضي أنّ المعيار فيما يفعله الإنسان ليس هو العمل الخارجيّ بل نيّة الإنسان هي التي يهتمّ بها الله ويلاحظها. دقّقوا جيّدًا، فمن الآن سأجيب عن تلك المسألة وإن شاء الله سأنهي البحث اليوم، وهذا الموضع يستحقّ الدقّة، فهذا هو ما بقي خافيًا على الأذهان وموضع إشكال في هذه الفقرة من دعاء أبي حمزة وأمثالها من الفقرات الواردة عن سائر المعصومين عليهم السلام، مثل مناجاة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة: «مَولايَ يا مَولايَ أنتَ الغَنِيُّ وأنَا الفَقيرُ وهَل يَرحَمُ الفَقيرَ إلّا الغَنِيُّ، مَولايَ يا مَولايَ أنتَ الغَفُورُ وأنَا المُذنِبُ وهَل يَرحَمُ المُذنِبَ إلّا الغَفُورُ»۱ وأمثال ذلك مما في أدعية سائر الأئمّة حتّى في الصحيفة السجّاديّة وأدعية الإمام الصادق عليه السلام، وهكذا في دعاء سيّد الشهداء يوم عرفة حيث نشاهد فقرات من هذا القبيل، وبصورة عامّة في مناجاة الإمام المعصوم عليه السلام مع الله وبيانه لحاله، حيث يكون الإمام عليه السلام في مقام بيان واقعه الفعليّ لله، لا الواقع الشأني، فالواقع الفعليّ يختلف عن الواقع الشأني، فالإنسان يمكنه أن يصل إلى مرتبة الصلاح، ويمكنه أن يصل إلى مرتبة الفلاح، ولكنّ هذا الصلاح والفلاح من أين جاءا حتّى جعلا الإنسان صالحًا ومفلحًا؟!
مثال لتوضيح الحالة الفعليّة والحالة الشأنيّة وانقسام الحالة الفعليّة إلى ذاتية وغيريّة
سأضرب لكم مثالاً خطر في بالي الآن، هذه المصابيح التي ترونها الآن مضاءة، هل هي مضاءة الآن أم لا؟! دقّقوا جيّدًا، أريد أن أبيّن نوعين من الحالة الفعليّة هنا:
إحداهما: الحالة الفعليّة المستندة إلى الغير.
والأخرى: الحالة الفعليّة المستندة إلى الذات.
فهذه المصابيح التي ترونها أنتم الآن هل هي مضاءة أم لا؟ كلّها مضاءة، وليس هناك أيّ منها مطفأ. ليس هناك أيّ منها مطفأ، فهذا المصباح مضاء وهذا مضاء، إنّها مضاءة كلّها، فما هي الحالة الفعليّة لما نرى الآن؟! أي تلك الحالة الوجوديّة والحالة الخارجيّة وحالة النوريّة، فأنتم ترونها! ولو حدّقتم فيها قليلاً لما استطاعت أعينكم استمرار النظر إليها، ولو حدّقتم بالشمس فإنّ أعينكم تغمض، فكونكم الآن تنظرون إلى هذه فهذا يعني أنّها حالة فعليّة لهذه المصابيح الكهربائيّة وهذه الإضاءة. ولو ضغطتم على مفتاح الكهرباء لانطفأت فماذا سيكون هنا؟ ظلمة. أين؟ أين ذهب النور؟ هل كان منها أم من مكان آخر؟ كونكم الآن ضغطتم على المفتاح فانطفأ المصباح وصارت عينكم فجأة هكذا وشعرتم بالظلمة، هذا المصباح الآن لا يزال في مكانه لم يتحرّك أبدًا، لم ينقص منه شيء حتّى ميليمتر واحد، فما هو التغيير الذي وقع هنا والذي أدّى أن تلمسوا بوجدانكم ورأي أعينكم حقيقتين مختلفتين؟ فتلك الحالة الفعليّة تحوّلت إلى حالة فعليّة أخرى لا استعداديّة كلاّ، الاستعداديّة بمعنى كونها منتظرة، كلاّ، فتلك الحقيقة الخارجيّة التي تشاهدونها وذلك النور الذي شاهدتموه تبدّل إلى ظلمة، فما الذي سبّب ذلك؟! إنّ ضغطكم على مفتاح الكهرباء قطع التيّار الكهربائي، وانقطاعه أدّى إلى حالة جديدة لهذه المصابيح، فهل هذه الحالة الجديدة هي لهذه المصابيح أم لغيرها؟ هي لها، هي بنفسها مظلمة، هي بنفسها لا نور لها، هي نفسها لا حرارة لها، نفسها لا فائدة منها، فائدتها الوحيدة هي أنّك تضرب بها رأسًا ما فتشجّه، ولا فائدة أخرى لها، تجرح رجلك فيسيل الدم ولا فائدة أخرى لها، فلا نور لها ولا حرارة ولا طاقة ولا فائدة، لا يمكنك أن تستفيد منها، أن تقرأ كتابًا، أن تكتب، أن تتحدّث مع غيرك، أن تراه، لا شيء لا شيء لا شيء، ظلمة، نقص، خلأ، فقدان للنور، تحمل جميع هذه النقاط السالبة ونقاط النقص على هذا المصباح المسكين، لقد باعني متجر الإلكترونيّات مصباحًا مغشوشًا، لقد غشّني، لقد وضع بدلاً من «صُنع في ألمانيا» وبدلاً من شركة «فيليبس» الألمانيّة، وضع «صنع في الصين»، وأعطاني من مصنوعات هذه الصناعة الصينيّة التي هي تقلّد سائر الصناعات، يا إلهي افعل به كذا وكذا، وتبدأ بالدعاء عليه، حتّى إذا وصلت إليه إن لم تضربه على وجهه، فستسبّ له سبّتين على الأقلّ ثمّ ترجع! فهذا ليس جيّدًا لا بدّ أن تبدّله! هذا إذا بدّله ولم يقل: هكذا أعطوني إيّاه، وأنا أعطيك إيّاه هكذا أيضًا!
- المزار الكبير (للمشهدي)، ص: ۱۷٥
