
رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ - الجلسة السادسة عشرة
كيف يكون توحيد الله منشأً للاتّكاء عليه وحده؟ ما هي علّة عدم استطاعة الإنسان شكره تعالى؟ ما هي الطريقة اللازم اتّباعها لاستجلاب الجود الإلهيّ الواسع؟ ما هي حقيقة الدين والدنيا بين السالك وعامّة الناس؟ هل توجد ضرورة لتخلّي السالك عن كلّ ما سوى الله تعالى دفعةً واحدةً؟ بماذا تتحقّق حياةُ الإنسان وطمأنينتُه؟ ما هو نوع الذنوب التي يجبُ على الإنسان خشيتُها؟ ما هي علّة طمع الإنسان الكبير في رحمةِ الله تعالى وَجُودِه؟ هل ينسجم توحيد الله تعالى مع الوحدة العدديّة أم الوحدة بالصرافة؟ ما هو الرجاء الذي يطلب الإنسانُ من الله تعالى تحقيقَه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه
الوصف:
كيف يكون توحيد الله منشأً للاتّكاء عليه وحده؟ ما هي علّة عدم استطاعة الإنسان شكره تعالى؟ ما هي الطريقة اللازم اتّباعها لاستجلاب الجود الإلهيّ الواسع؟ ما هي حقيقة الدين والدنيا بين السالك وعامّة الناس؟ هل توجد ضرورة لتخلّي السالك عن كلّ ما سوى الله تعالى دفعةً واحدةً؟ بماذا تتحقّق حياةُ الإنسان وطمأنينتُه؟ ما هو نوع الذنوب التي يجبُ على الإنسان خشيتُها؟ ما هي علّة طمع الإنسان الكبير في رحمةِ الله تعالى وَجُودِه؟ هل ينسجم توحيد الله تعالى مع الوحدة العدديّة أم الوحدة بالصرافة؟ ما هو الرجاء الذي يطلب الإنسانُ من الله تعالى تحقيقَه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه
6«وَشُكرَكَ قَبِلَ عَمَلي».
فليست لأعمالنا أيّة قيمة، بل هي أعمال لا تليق بمقامك؛ غير أنّ الشكر الذي صدر منك ساهَمَ في قبول هذه الأعمال؛ فأنت الذي قلت بنفسك: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡ﴾،۱ حيث تكون هذه الزيادة عبارة عن الشكر الذي تقوم به تجاهنا؛ كما أنّك قلت أيضًا [ما مفاده]: «إنَّ اللهَ شكورٌ»،٢ وشكر الله تعالى يتمثّل في زيادة النعم وقبول العمل.
الدين والدنيا بين السالك وعامّة الناس
«سَيِّدِي إِلَيْكَ رَغْبَتِي ومِنْكَ رَهْبَتِي وإِلَيْكَ تَأْمِيلِي،٣ وقَدْ سَاقَنِي إِلَيْكَ أَمَلِي، وعَلَيْكَ يَا وَاحِدِي عَكَفَتُ هِمَّتِي، وفِيمَا عِنْدَكَ انْبَسَطَتْ رَغْبَتِي، ولَكَ خَالِصُ رَجَائِي وخَوْفِي، وبِكَ أَنِسَتْ مَحَبَّتِي، وإِلَيْكَ أَلْقَيْتُ بِيَدِي، وبِحَبْلِ طَاعَتِكَ مَدَدْتُ رَهبَتي»!
يا إلهي، ويا سيّدي، ويا مولاي، أنت تعلم بأنّني قصَرتُ رغبتي وميلي بك أنت وحسب!
تَرَكتُ لِلناسِ دُنياهُم وَدينَهُ *** شُغلاً بِحِبِّكَ يا ديني وَدُنيائي٤ فهؤلاء الناس لديهم نزوات وآمال وخيالات وجهود ومتاعب، حيث يميل بعضهم نحو الدين، وبعضهم الآخر نحو الدنيا؛ ويُحبّ بعضهم أن يظفروا بالجنّة، ويرغب بعضهم الآخر أن يصيروا قدّيسين؛ لكن، أنت تعلم يا إلهي أنّني تركتُ الدين والدنيا لهؤلاء الناس، ليتوجّه كلّ من يُريد نحو دينه، ويتوجّه كلّ من يشاء نحو دنياه؛ لأنّني قصرت ديني ودنياي عليك أنت.
فما هو ديني؟ هو أنت! وما هي دنياي؟ هي أنت! فأينما تكون أنت، يكون كلّ شيء، وأينما لا تكون، لا يكون أيّ شيء!
«مَاذَا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ، ومَاذَا فَقَدَ مَن وَجَدَكَ؟»٥ (لاشيء!)
فديني هو ما تُريده أنت، ودنياي هي أيضًا ما تُريده أنت؛ وإذا لم تشأ، فلن يكون ذلك الدين ديني، ولو عدّه الناس بأجمعهم دينًا؛ فإذا لم تشأ، فلن أعترف به كدين؛ وكذلك، إذا لم تشأ، فلن تكون تلك الدنيا لأجلي، ولو تعاون كافّة أفراد الإنسان مع بعضهم، وبذلوا في سبيلها غاية جهدهم ومسعاهم؛ إذ لن تُفيدني في أيّ شيء؛ لأنّك أنت ديني ودنياي!
وتُعبّر مناجاة المريدين ـ وهي المناجاة الثامنة من المناجاة الخمس عشرة ـ عن هذا المعنى بنحو جيّد جدًّا.
يُقال: تبادل البعضُ أطراف الحديث مع المجنون ـ الذي كان عاشقًا لليلى ـ من الليل إلى الصباح، ودار بينهم البحث عن مسألة أنّ الحقّ مع عليّ، أو عمر، حيث طال بهم الحديث إلى حلول الصباح؛ وفي نهاية المطاف، سألوه: «ما هي النتيجة الآن؟ وما هي حصيلة كلامنا طيلة هذه الليلة؟ فهل كان الحقّ مع عليّ أم عمر؟»؛ قال: «الحقّ مع ليلي، الحقّ مع ليلى!».
- سورة إبراهيم، الآية ۷.
- ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: سورة الشورى، الآية ٢٣؛ ﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾: سورة التغابن، الآية ۱۷. المعرّب
- خ ل: أَمَلي.
- إحياء علوم الدين، ج ٥، ص ٦٩؛ وفي ديوان الحلاّج، ص ۱۷۱، نُسبت الأبيات الخمسة التالية إلى الحلاّج:
كانَت لِقَلبي أَهواءٌ مُفَرَّقَةٌ *** فَاِستَجمَعَت، مُذ رَأَتكَ العَينُ، أَهوائي فَصارَ يَحسُدُني مَن كُنتُ أَحسُدُهُ *** وَصِرتُ مَولى الوَرى مُذ صِرتُ مَولائي تَرَكتُ لِلناسِ دُنياهُم وَدينَهُم *** شُغلاً بِحِبِّكَ يا ديني وَدُنيائي ما لامَني فيكَ أَحبّائي وَأَعدائي *** إِلّا لِغَفلَتِهِم عِن عظمِ بَلوائي أَشعَلتَ في كَبِدي نارَينِ: واحِدَة *** بِينَ الضُلوعِ وَأُخرى بَينَ أَحشائي - فقرة من المقطع الملحق بدعاء حضرة سيّد الشهداء عليه السلام في عرفة.
