انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه

شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ - الجلسة السادسة عشرة

0

كيف يكون توحيد الله منشأً للاتّكاء عليه وحده؟ ما هي علّة عدم استطاعة الإنسان شكره تعالى؟ ما هي الطريقة اللازم اتّباعها لاستجلاب الجود الإلهيّ الواسع؟ ما هي حقيقة الدين والدنيا بين السالك وعامّة الناس؟ هل توجد ضرورة لتخلّي السالك عن كلّ ما سوى الله تعالى دفعةً واحدةً؟ بماذا تتحقّق حياةُ الإنسان وطمأنينتُه؟ ما هو نوع الذنوب التي يجبُ على الإنسان خشيتُها؟ ما هي علّة طمع الإنسان الكبير في رحمةِ الله تعالى وَجُودِه؟ هل ينسجم توحيد الله تعالى مع الوحدة العدديّة أم الوحدة بالصرافة؟ ما هو الرجاء الذي يطلب الإنسانُ من الله تعالى تحقيقَه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.

رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه

14
  • «فَالأَمرُ لَكَ وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ».

  • فعبارة «لا شَريكَ لَكَ» تُبيّن مسألة الوحدة.

  • ففي السنة التي فتح فيها الرسولُ الأكرم مكّة، أمسك بباب الكعبة، وحرّكها، ثمّ رفع صوته، وقال: «لا إِلَهَ إلاّ الله، وَحدَهُ، وَحدَهُ، وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ ... إلخ»؛۱ فأيّة وحدة هذه؟ وما هو نوع الوحدة التي يتحدّث عنها القرآن الكريم؟ إنّها الوحدة بالصرافة؛ أي الوحدة التي لا يُمكن أن يُفرض معها الاثنان.

  • توجد في نهج البلاغة مجموعة من الخُطب التي تحدّث فيها أمير المؤمنين عليه السلام عن التوحيد؛ وهي ـ بحقّ ـ خُطب عجيبة جدًّا! ومن ضمنها، الخطبة الواردة في أوّل هذا الكتاب، حيث جاء فيها:

  • «الحَمدُ لِلهِ الذي لَيسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحدودٌ ولا نَعتٌ موجودٌ ولا أَجَلٌ مَمدودٌ».٢

  • وهي خطبة عجيبة جدًّا تدور حول التوحيد؛ كما أنّ هناك خطب أخرى تتحدّث أيضًا عن وحدة الله بالصرافة؛ أي أنّ وجوده تعالى واحد بالصرافة؛ بمعنى أنّه واحد لا يُمكن أن يُفرض معه الاثنان؛ وهذا يعني أنّ وجوده واسع جدًّا إلى درجة أنّه لا توجد ذرّة في هذا العالم، إلاّ والذات الإلهيّة المقدّسة وصفاتها موجودة معها وغير منفصلة عنها؛ أي أنّ الموجودات بأسرها مندكّة في وجوده عزّ وجلّ.

  • فأمير المؤمنين هو الذي صرّح بهذه الخطب، من دون أن يتمكّن أيّ أحد من استيعاب كلامه؛ إلى درجة أنّ فيلسوق الشرق وفخر بلاد المشرق أبو علي ابن سينا كان يعتقد بأنّ وحدة الله تعالى هي وحدة عدديّة، ولم يستطع بتاتًا إدراك حقيقة الوحدة بالصرافة.٣ فهذا هو كتاب الإشارات! وهذا هو كتاب الشفاء! فلم يُعلم معنى الوحدة بالصرافة، إلاّ بعد مرور ألف سنة من زمان أمير المؤمنين، وكذلك الشأن بالنسبة لمعنى أنّ الله تعالى واحد من دون أن يُفرض في مقابله الاثنان، ومعنى «واحدٌ لا بِعَدَدٍ قائمٌ لا بِعَمَدٍ».٤

  • فكان الناس يقرؤون سابقًا: «واحدٌ لا بِعَدَدٍ قائمٌ لا بِعَمَدٍ»، ويُفسّرونها بهذا النحو: «الله قائم، ولم تُوضع أعمدة تحت أقدامه»، ظانّين أنّ شأن العليّ الأعلى شأن الكواكب السماويّة التي لا توجد تحتها أعمدة!

  • فهو تعالى واحد، لكن ليس بالوحدة العدديّة؛ وبعدما تَبيّنَ معنى الوحدة بالصرافة بعد مرور ألف سنة على قراءة أمير المؤمنين لهذا الخطبة، تمّت الإجابة عن إشكالات المادّيين برمّتها، وكذلك عن شبهة ابن كمّونة وأمثالها.

    1. علل الشرائع، ج ٢، ص ٣٦۰.
    2. نهج البلاغة (عبده)، الخطبة الأولى، ج ۱، ص ۷: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، ولَا يُحْصِي نَعمَاءَهُ الْعَادُّونَ، ولَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، ولَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، ولَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، ولَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، ولَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ...».
    3. إلهيّات الشفاء، المقالة الأولى، الفصل السابع، ص ٤۷: «فإذن واجبُ الوجود واحدٌ بالکلّیة لیس کأنواعٍ تحتَ جنسٍ، وواحدٌ بالعدد لیس کأشخاصٍ تحتَ نوعٍ؛ بل معنی شرح اسمه له فقط ووجوده غير مشترک فیه».
      توحيد علمي وعيني (فارسي)، ص ٢۱۱: «بعدما نقل سماحة أستاذنا الأعظم العلاّمة الطباطبائيّ (قدّس الله سرّه الشريف) ـ في سياق بحثه عن التوحيد ضمن تفسيره ـ عددًا من الفقرات من عدّة خطب واردة عن أمير المؤمنين عليه السلام، وبعد إيراده لبحث تاريخيّ عن كيفيّة الاعتقاد بالتوحيد، وأسلوب محاربة الشرك والتثليث والثنويّة (مذهب المسيحيّين ومذهب الزرادشتيّين المجوس)، أثبت أنّ: "المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديمة واليونان والإسكندريّة وغيرهم ممّن بعدهم يعطي الوحدة العدديّة حتى صرّح بها مثل الرئيس أبي عليّ ابن سينا في كتاب «الشفاء»، وعلى هذا المجرى يجري كلام غيره، ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبويّة.
      وأمّا أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العدديّة أيضًا، في عين أنّ هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامّة؛ فهذا ما يتحصّل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة"».
    4. نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٣۸: «واحدٌ لا بِعَدَدٍ، ودائِمٌ لا بِأَمَدٍ، وقائمٌ لا بِعَمَدٍ».