
رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ - الجلسة السادسة عشرة
كيف يكون توحيد الله منشأً للاتّكاء عليه وحده؟ ما هي علّة عدم استطاعة الإنسان شكره تعالى؟ ما هي الطريقة اللازم اتّباعها لاستجلاب الجود الإلهيّ الواسع؟ ما هي حقيقة الدين والدنيا بين السالك وعامّة الناس؟ هل توجد ضرورة لتخلّي السالك عن كلّ ما سوى الله تعالى دفعةً واحدةً؟ بماذا تتحقّق حياةُ الإنسان وطمأنينتُه؟ ما هو نوع الذنوب التي يجبُ على الإنسان خشيتُها؟ ما هي علّة طمع الإنسان الكبير في رحمةِ الله تعالى وَجُودِه؟ هل ينسجم توحيد الله تعالى مع الوحدة العدديّة أم الوحدة بالصرافة؟ ما هو الرجاء الذي يطلب الإنسانُ من الله تعالى تحقيقَه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
رجاء السالك في ظل توحيد الله تعالى وجُودِه
11بی عمر زنده ام من و این بس عجب مدار! *** روز فــراق را کــه نَهــد در شــمار عمــر۱ [يقول: إنّني أعيش من دون عُمرٍ، وهذا ليس بالأمر العجيب جدًّا؛ لأنّ زمان الفراق [عن المعشوق] لا يُحسب من العُمر].
يعني: حينما أكون في حالة فراق، ولا أتمتّع بوصلك، فإنّنا لا أكون حيًّا؛ ولهذا، إذا سألتني في ذلك الحين: كم عمّرتَ؟ فإنّني سأجيب: لا شيء، فقد عشتُ من دون عمر؛ لأنّني كنت في حالة فراق؛ وبالتالي، من الذي يكون في عمره حيًّا؟ هو الذي يكون في حالة وصال؛ ومن هنا، يقول الإمام عليه السلام: «بذكرك عاش قلبي».
«وبِمُناجاتِكَ بَرَّدتُ أَلَمَ الخَوفِ عَنّي»؛ فمتى ما أرادت نارُ الخوف الاستيلاءَ عليّ، برّدتُ نفسي بواسطة مناجاتك.
فحينما تُؤيسني عن ساحتك المقدّسة خواطرُ الإبعاد، والتي مفادها: «أبعدوه من هنا! لا تفتحوا له الطريق! لا تمنحوه شيئًا مقابل جهوده! أذيقوه الحرمان! أخرجوه من سلك أحبّائي، وأدخلوه في زمرة أعدائي! وأمثال ذلك»؛ وحينما يشرع أذى هواجس الخوف في الاستيلاء عليّ، فأسعى للتخفيف عن نفسي، وتبريد نار هذا الخوف، فإنّني أقوم بذلك عن طريق مناجاتك، فأجلس للحديث معك، حيث يُراد من المناجاة: الهمس والكلام بهدوء.
فبمجرّد بثّ الشكوى إليك، أحصل على السكينة والهدوء، ويطمئنّ قلبي؛ تمامًا مثل ماء بارد عذب أشربه، فيُصبّ على النار المستعرة في قلبي التي اشتعلت جرّاء الهواجس اللاذعة والحارقة والمؤذية الناشئة من الخوف.
نوع الذنوب التي يجبُ على الإنسان خشيتُها
«فَيَا مَولايَ ويا مُؤَمَّلي ويا مُنتهى سُؤلي، فَرِّق بَيني وبَين ذَنبي المانِعِ لي مِن لُزومِ طاعَتِكَ»؛ يا إلهي، ويا سيّدي، ويا موضع أملي، ويا منتهى قصدي، ويا أقصى غايتي، وغاية رغبتي وطلبي (فهذا الطلب الذي أملكه ينتهي عند مقام معيّن، وأنت هو منتهاه؛ فليس من شأن أيّ شي آخر أن يقع مطلوبًا لطلبي الذي أسعى إليه في هذا الطريق)، أسألك أن تُفرّق بيني، وبين الذنوب التي تحجزني عن ملازمة عتبتك وطاعتك.
فأنا أحمل الكثير من الذنوب؛ لكنّني لا أخاف من المعاصي التي لا تُفرّق بيني وبينك، ولا تتسبّب في صدور خطاب الإبعاد من ساحتك المقدّسة، ونزول كلمة اللعن والطرد عليّ، بل أخاف من المعاصي التي تُقصيني عن بيتك، وتفصلني عن طاعتك (ويُراد من اللزوم الالتصاق؛ فلزم أي التصق؛ والملازم يعني الملتصق والراسخ)، وفأضحى بعيدًا عن هذه الطاعة.
- ديوان حافظ، الغزل ٢٦٢.
