
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الخامسة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن حاجة النفس إلى البكاء، وعن علّة هذا البكاء، ثمّ أشار إلى أنّ الدنيا عالم الاستعداد والآخرة عالم الفعليّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك دليلاً على بطلان التناسخ؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى حقيقة عالَم القبر، وإلى الأمور التي سيُسأل عنها الإنسان فيه؛ مُنبِّهًا إلى قيمة كلّ من العلوم الظاهريّة والإلهيّة، ثمّ أشار إلى اهتمام كلّ واحد بنفسه في يوم المحشر؛ ليختم كلامه بالحديث عن أساس كلّ من المحبّة الدنيويّة والمحبّة الإلهيّة.
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
7لكن، بعدما تتحقّق الفعليّة، سيكون من الخطأ الحديث عن القابليّة؛ لأنّ الأمر الذي حاز على الفعليّة لا يُمكنه بتاتًا الرجوع إلى مرحلة القابليّة؛ فبذرة التفّاح تتوفّر على القابليّة للتحوّل إلى شجرة تفّاح، بحيث إذا زرعها الإنسان، واعتنى بها باستمرار، فإنّها ستصير شجرة تفّاح؛ وحينئذ، تتحقّق فعليّتها؛ لكنّ التفّاح لا يستطيع التحرّك والتغيّر بهذا النحو إلى أن يصير بذرة تفّاح، ولا يقدر على الرجوع من نفس الطريق الذي ذهب منه؛ لأنّه أمر محال؛ أي: يستحيل الرجوع من الفعليّة إلى القابليّة.
فحينما يخرج الإنسان من رحم أمّه، ويكبر، ويصير شيخًا، ويُدفن في القبر، فإنّه من المحال أن يلج مرّة أخرى في رحم هذه الأمّ، ثمّ ينتقل بعد ذلك إلى عالم الذرّ. وقد ينتقل الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة، لكن يستحيل أن يعود من الشيخوخة إلى الشباب؛ لأنّه حوّل ـ في المراحل التي قطعها من الشباب إلى الشيخوخة ـ القابليّةَ إلى فعليّة، ولا يُمكنه الرجوع من هذه الفعليّة إلى القابليّة.
فأنتم الجالسون هنا الآن تتوفّرون على قدر من الكمالات العلميّة يُمثّل حصيلة الجهود التي بذلتموها، والمطالعات التي قمتم بها، والدروس التي تلقّيتموها، حيث يكون هذا القدر من الكمالات العلميّة الذي تمتلكونه عبارة عن فعليّة، ويكون بمقدوركم الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ لأنّ هذه الفعليّة تكون قابليّةً بالنسبة إلى مرحلة أخرى، وليست فعليّة محضة؛ وبالتالي، يُمكنكم تحويل هذه الفعليّة ـ التي هي قابليّة بالنسبة إلى مرحلة أخرى ـ إلى فعليّة أخرى؛ لكنّكم لا تستطيعون الرجوع إلى الخلف؛ أي: لا تقدرون على القيام بعملٍ يُرجع علومكم باستمرار إلى مرحلة البساطة والسذاجة؛ فتُؤدّون فعلاً يُساهم الآن في إنقاص هذه العلوم شيئًا فشيئًا، إلى أن تصل إلى درجةٍ؛ وكأنّكم تُريدون الذهاب للتوّ إلى المدرسة، وتعلّم أحرف الهجاء، وتصيرون بنفس هذه الحالة؛ فهذا أمر محال!.
دليل على بطلان التناسخ
واعتمادًا على هذا الدليل بعينه، يُستدلّ على بطلان التناسخ، حيث توجد طائفة تقول: حينما ترتحل الروح عن دار الدنيا، فإنّها تنتقل إلى بدن آخر؛ فإذا كان الإنسان من السعداء، فإنّ روحه تحلّ بجسد إنسان سعيد يفعل الخيرات؛ وإن كان من الأشقياء، فإنّ روحه تحلّ بأحد أبدان الأشقياء. وعلى سبيل المثال، فإنّ روح يزيد الذي كان من الأشقياء تحلّ ببدن إنسان شقيّ، وتحلّ روح فرعون ببدن يزيد؛ كما أنّ روح الإنسان الذي كان صالحًا ومن السعداء تحلّ في بدن صالح. وتوجد العديد من البراهين على إبطال هذا الكلام، بل ولا شكّ بتاتًا في بطلانه؛ ومفاد أحد هذه البراهين أنّه: في اليوم الذي يُتوفّى فيه الإنسان، يتحقّق بالفعليّة، فيستحيل بالنسبة إليه الخروجُ من مرتبة الفعليّة والانتقال إلى القابليّة؛ إذ حينما تُريد الروح أن تحلّ بالبدن، فإنّها تحلّ في بدن طفلٍ يتوفّر على قابليّة محضة، ويكون بوسعه تجاوز هذه القابليّة، وقطع مجموعة من المراحل؛ فينتقل من النطفة إلى العلقة، ثمّ يصير مضغة، ثمّ تكتمله عظامه، ويُصبح طفلاً سويًّا، ويخرج إلى هذا العالم، ويتقدّم بهذا النحو؛ وحينئذ، إذا تُوفّي في مرحلة من مراحل تقدّمه، فإنّه سيكون متوفّرًا على فعليّة خاصّة؛ ومن المحال أن يرجع بهذه الفعليّة إلى مرحلة القابليّة مرّة أخرى؛ وبالتالي، يستحيل التناسخ، حيث تثبت استحالته عن طريق هذا البرهان الفلسفيّ.۱
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: نور ملكوت القرآن، ج ۱، ص ٢٣٢، الهامش.
