انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة

شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الخامسة عشرة

0

في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن حاجة النفس إلى البكاء، وعن علّة هذا البكاء، ثمّ أشار إلى أنّ الدنيا عالم الاستعداد والآخرة عالم الفعليّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك دليلاً على بطلان التناسخ؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى حقيقة عالَم القبر، وإلى الأمور التي سيُسأل عنها الإنسان فيه؛ مُنبِّهًا إلى قيمة كلّ من العلوم الظاهريّة والإلهيّة، ثمّ أشار إلى اهتمام كلّ واحد بنفسه في يوم المحشر؛ ليختم كلامه بالحديث عن أساس كلّ من المحبّة الدنيويّة والمحبّة الإلهيّة.

سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة

6
  • ففي هذا العالم، لا يُغلق ملفّ الإنسان أبدًا، ولا يستطيع أيّ أحد القطع بأنّه من أهل الجنّة أو من أهل النار؛ لأنّه من الممكن أن يصير المستحقّ لجهنّم من أهل الجنّة بسبب عمل صالح؛ كما يُمكن أيضًا أن يُصبح المستحقّ للجنّة من أهل النار! فبكلمة واحدة، قد يصير الكافر مسلمًا؛ وبارتداد وإنكار واحد، يصير المؤمن كافرًا! وهذا كلّه بسبب [القابليّة على] التغيير والتحوّل؛ نظير قطعة ذهب تُسلَّم لصائغ، ويُقال له: «يا سيّدي، بوسعك أن تصوغها في أيّ شكل تريد إلى اليوم الفلانيّ، حيث سنأتي في ذلك اليوم، ونستلمها منك! وهنا، لا يهمّ الشكل و لا تهمّ الطريقة التي تُريد صياغتها بها؛ فأنت أعلم بذلك». وحينئذ، قد يجعلها في اليوم الأوّل على شكل خاتم، ثمّ يُتلفها في الغد ويجعلها على شكل قلادة، ثمّ يصوغها في اليوم الذي يليه على شكل أقراط، وفي يوم آخر على شكل سبيكة؛ أو قد ينهمك في صياغتها منذ اليوم الأوّل، بحيث يعمل في كلّ يوم على صناعة جزء منها؛ ويظلّ يشتغل عليها بهذا النحو طيلة شهر واحد؛ وحينما يأتون لأخذها منه، يقولون له: «لقد انتهى الوقت»؛ فيقول لهم: «أمهلوني لدقيقة واحدة، حتّى أُلمـّعها»؛ فيقولون له: «لقد انتهى الأمر، وأُغلق الملفّ، وكانت لديك فرصة للعمل إلى هذا الحين!».

  • ونفس الشيء ينطبق على النفس؛ إذ ما دام يتوفّر الإنسان على بدن، يكون بمقدوره صياغة نفسه بصور مختلفة؛ لأنّ هذه النفس ليست لها صورة محدّدة، بل إنّ الصورة التي تتّخذها تكون تابعة لنية الإنسان وعمله، بحيث نجد شكل نفس هذا الإنسان يختلف عند قيامه بأيّ عمل صالح أو عمل سيّء؛ واختلافه يكون حقيقيًّا! فكما يوجد اختلاف بين الناس في الصور [الظاهريّة]، فإنّه يوجد بينهم أيضًا اختلاف في الصور النفسيّة والملكوتيّة، بل ويوجد اختلاف بين الصور الملكوتيّة لكلّ فرد منهم بحسب اختلاف أفعاله؛ ولهذا، فإنّ النفس تكون بالضبط مثل الشمع الذي تحمله بيدك، ويكون بوسعك صياغته في كلّ لحظة بشكل خاصّ؛ فهي أيضًا تكون بهذا النحو.

  • يُقال: «النفسُ هَيولانِيَّةٌ»؛ أي أنّها تكون في بدايتها عبارة عن قابليّة محضة؛۱ لأنّ الهيولانيّ هو الذي له القابليّة المحضة؛ وبالتالي، يكون بوسعكم صياغتها بالشكل الذي تُريدون؛ فتتهذّب هذه النفس بالعمل الصالح والنية [الحسنة] وفعل الخير والجهاد في سبيل الله تعالى والإيثار والجهاد الأكبر، وتُصقل، فتتشكّل بصورة إنسانيّة؛ وأمّا إذا وضع الإنسان نفسه في مسار آخر، فإنّها ستتشكّل بصورة مختلفة؛ لكن، من دون أن يشعر هو بذلك؛ لأنّ هذا العالم هو عالم الظاهر، والحقائق تكون فيه خلف الستار محجوبةً وغير مرئيّة؛ ولهذا، فإنّ الأمر الذي يُشاهد في الناس يقتصر على الشكل والملامح الظاهريّة؛ في حين أنّ المسألة تكون في العالم الآخر بالعكس، حيث يضمحّل هناك هذا الشكل وهذه الملامح الظاهريّة، ويظهر الشكل والملامح الحقيقيّة؛ فإذا طبع الإنسان في الدنيا على نفسه ـ التي كانت تتوفّر على قابليّات متعدّدة ـ بقابليّة معيّنة، فإنّ هذه النفس ستنطبع ويُختم عليها بهذه القابليّة.

    1.  معرفة الله، ج ۱، ص ۷۸ «لقد خلقنا اللهُ عزّ وجلّ‌ أَحْسَنِ‌ تَقْوِيمٍ،‌ وأودع فينا من جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا، وجعل أنفسنا من الهيولي (أي قابليّة محضة لأيّة فعليّة متصوّرة في طريق التقدّم والكمال والتخلُّق بأسمائه وصفاته)، ولم يجعل لنا حدًّا ولا حدودًا من جهة الاستعداد والقدرة على التقدّم والتكامل والارتقاء في سُلّم اليقين والوصول إلى العرفان والتوحيد والفَناء في ذات الله المقدّسة والرُّسوِّ عند صفاته الحسنى. فكما أنّه عزّ وجلّ غير متناهٍ ذاتًا ووجودًا وفعليّة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فقد جعلنا نحن كذلك لا متناهين قابليّة وإيجادًا واستعدادًا.
      وعلى هذا، فبإمكاننا التقدّم إلى قمّة درجات صفاته وأسمائه من جهة الإمكان والاستعداد، وبإمكاننا أيضًا التخلُّق بجميع ذلك كلّه. أمّا من حيث الفعليّة وتحقّق تلك القابليّة وتمركزها حول الحياة والصفات والأفعال، فإنّ‌ ذلك منوط بالحركة والجهاد مع النفس وسلوك الطريق الواصل إلى الله سبحانه».
      * اقتباس من الآية ٤ من سورة التين: ﴿لَقَد خَلَقنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾. المحقّق