
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الخامسة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن حاجة النفس إلى البكاء، وعن علّة هذا البكاء، ثمّ أشار إلى أنّ الدنيا عالم الاستعداد والآخرة عالم الفعليّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك دليلاً على بطلان التناسخ؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى حقيقة عالَم القبر، وإلى الأمور التي سيُسأل عنها الإنسان فيه؛ مُنبِّهًا إلى قيمة كلّ من العلوم الظاهريّة والإلهيّة، ثمّ أشار إلى اهتمام كلّ واحد بنفسه في يوم المحشر؛ ليختم كلامه بالحديث عن أساس كلّ من المحبّة الدنيويّة والمحبّة الإلهيّة.
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
5يقول المرحوم صاحب المعالم الذي يُعدّ من فقهاء الإسلام العظام، وكان ابنًا للشهيد الثاني:
عَجِبتُ وما عَجِبتُ *** لِكلِّ ذي عَينٍ قَريرةِ وأمامَهُ يومٌ عَظيمٌ *** فيهِ ينكشِفُ السَّريرةِ هذا، وإن ذَكَرَ ابنُ آدمَ *** ما يلاقي في الحَفيرةِ بَكى مِن هَولِ ذلِكَ *** مُدّةَ العُمُرِ الطَّويلة۱ يقول:
۱ـ أتعجّب من هذه الأعين القريرة والهادئة التي لا تُعاني من أيّة غُصّة أو حُرقة أو اضطراب، وكيف ظلّت في هذه الدنيا هادئة وليّنة وطريّة.
٢ـ في حين، أنّها ترى أمامها يومًا تنكشف فيه السرائر وخفايا الذهن ونيات القلب، ويُرفع عنها فيه الستار!
٣ـ فلو علم ابن آدم بالذي سيحلّ به في الحفيرة والقبر، وما هي الأشياء التي سيُواجهها هناك،
٤ـ لكان ذلك كافيًا لأن يعكف على البكاء الدائم طوال حياتهز
الدنيا عالم الاستعداد والآخرة عالم الفعليّة
«فَمَا لِي لَا أَبْكِي»؟!
«أَبكي لِخُروجِ نَفسي».
فحينما تخرج النفس من البدن، ينتهي الأمر؛ إذ بوسع الإنسان القيام بأيّ عمل، والوصول إلى أيّة درجة ومقام ومنفعة، والاحتراز عن أيّ ضرر؛ لكنّ ذلك مقتصر على وجوده في الدنيا وعلى زمان حياته؛٢ والسبب في ذلك أنّ وجود الإنسان يتوفّر أثناء حياته على القابليّة والاستعداد؛ بمعنى أنّه يكون قادرًا على تغيير نفسه، والانتقال من جهة إلى أخرى، وتكون له القابليّة للتربية، ويستطيع صياغة نفسه بأشكال مختلفة؛ لأنّ هذا العالم هو عالم الاستعداد؛ والله العليّ الأعلى منح الإنسان البدن بصفته آلةً؛ وهو أمر مادّي يقع في الزمان والمكان، ويخضع للكون والفساد؛ ولهذا، نجده ينتقل ـ في ظلّ الحركة الدائريّة التدريجيّة للعالم ـ من مرحلة القابليّة إلى مرحلة الفعليّة، إلى أن يُشارف على الموت. فمع ذلك النَفَس الأخير، ينتهي كلّ شيء، ويُختم على الإنسان مع جميع الأعمال التي قام بها، ويتمّ الأمر، أيًّا كان ذلك! وهذا الذي يُقال له: الفعليّة.
ففي عالم البرزخ، لا يوجد استعداد، بل ولا يُعقل وجوده هناك؛ لأنّ البرزخ عالم التجرّد والخيال؛ مع أنّ المراد من الخيال ليس هو التصوّرات الوهميّة، بل هو عالم المتخيّلة والصورة، والذي يُعبر عنه بالمثال والخيال، ويكون مجرّدًا وغير مادّي؛٣ والعالم الذي يكون مجرّدًا هو عبارة عن فعليّة محضة؛ فكلّ عمل قام به الإنسان تكون نتيجته هناك؛ وهذا هو معنى: «اليَومَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ»؛٤ أي: في هذا اليوم، على الإنسان أن يعمل، من دون أن يوجد حساب؛ واليوم الذي يُحاسب فيه الإنسان هو اليوم الذي يُغلق فيه ملفّه.
- نُقلت عنه هذه الأبيات في كتاب أمل الآمل، ج ۱، ص ٥٩، بالنحو الآتي:
وَلَقَد عَجِبتُ وما عَجِبتُ *** لِكلِّ ذي عَينٍ قَريرةِ وأمامَهُ يومٌ عَظيمٌ *** فيهِ تنكشِفُ السَّريرةِ هذا، ولو ذَكَرَ ابنُ آدمَ *** ما يلاقي في الحَفيرةِ لبَكى دمًا مِن هَولِ ذلِكَ *** مُدّةَ العُمُرِ القصيرة (المحقّق)فَاجهَد لِنَفسِكَ في الخلاصِ *** فَدونَهُ سُبُلٌ عسيرة - لمزيد من الاطّلاع على «أنَّ الْعُمرَ هُوَ الرَّأسُمَالِ الأفْضَلِ لِتَكَامُلِ الانْسَانِ وَرُقِيِّه»، راجع: معرفة المعاد، ج ۱، المجلس الرابع.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة المعاد، ج ٢، ص ۱۰٣ ـ ۱۱٩.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ۸٩؛ حلية الأولياء، ج ۱، ص ۷٦.
- نُقلت عنه هذه الأبيات في كتاب أمل الآمل، ج ۱، ص ٥٩، بالنحو الآتي:
