
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الخامسة عشرة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، تحدّث بدايةً عن حاجة النفس إلى البكاء، وعن علّة هذا البكاء، ثمّ أشار إلى أنّ الدنيا عالم الاستعداد والآخرة عالم الفعليّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك دليلاً على بطلان التناسخ؛ وبعد ذلك، تطرّق إلى حقيقة عالَم القبر، وإلى الأمور التي سيُسأل عنها الإنسان فيه؛ مُنبِّهًا إلى قيمة كلّ من العلوم الظاهريّة والإلهيّة، ثمّ أشار إلى اهتمام كلّ واحد بنفسه في يوم المحشر؛ ليختم كلامه بالحديث عن أساس كلّ من المحبّة الدنيويّة والمحبّة الإلهيّة.
سبب إمكانيّة تغيير النفس في عالم الدنيا دون الآخرة
2أَعوذُ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصَلَّى اللَهُ على محمّدٍ وآلِهِ الطّاهِرينَ
ولَعنةُ اللَهِ على أعدائِهِم أجمَعينَ
حاجة النفس إلى البكاء
«فَمَنْ يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنِّي، إِنْ أَنَا نُقِلْتُ عَلَى مِثْلِ حَالِي إِلَى قَبْرِي، [وَ]لَمْ أُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتِي، ولَمْ أَفْرُشْهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجْعَتِي؟! ومَا لِي لَا أَبْكِي، ولَا أَدْرِي إِلَى مَا يَكُونُ مَصِيرِي، وأَرَى نَفْسِي تُخَادِعُنِي وأَيَّامِي تُخَاتِلُنِي، وقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ الْمَوْتِ؟! فَمَا لِي لَا أَبْكِي»؟!
وقد قال عليه السلام قبل هذه العبارات:
«وأَعِنِّي بِالْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِي، فَقَدْ أَفْنَيْتُ بِالتَّسْوِيفِ والْآمَالِ عُمُرِي، وقَدْ نَزَلْتُ مَنْزِلَةَ الآيِسِينَ مِنْ خَيْرِي»!
إلهي، أعنيّ بالبكاء على نفسي؛ لأنّ هذه النفس أوقعتني في الخسران والضياع الكبيرين، فقضيتُ كافّة عمري في التسويف والإهمال،۱ حيث يُراد من التسويف: إيكال الأعمال لليوم والغد، وتأخيرها باستمرار، والقول: سوف أفعل، سوف أفعل؛ أي سوف أقوم بالعمل الفلانيّ غدًا، أو سأُقدم عليه في اليوم الذي يليه، أو سأؤدّيه قريبًا،...؛ وأفنيتُ حياتي بالآمال والأماني والخيالات؛ فدخلت الآن في منزل الأفراد المصابين باليأس.
أي أنّ حالي هو حال اليأس؛ لأنّني أمضيت عمري بالتسويف والآمال، ولم أتمكّن من الحصول على أيّ شيء؛ وبالتالي، لا يوجد فيّ أيّ خير؛ ولهذا، فقد ولجت إلى منزلة الآيسين ومرحلتهم.
وعليه، فإنّني ـ يا إلهي ـ لا أرى في نفسي أيّ خير؛ فأعنّي على البكاء على هذه النفس التي أوقعتني في الحسرة والخسران والأذى والضياع؛ فهي بحاجة إلى البكاء؛ لأنّها أصبحت في غاية البؤس والشقاء.
«فَمَنْ يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنِّي، إِنْ أَنَا نُقِلْتُ عَلَى مِثْلِ حَالِي إِلَى قَبْرِي، [وَ]لَمْ أُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتِي، ولَمْ أَفْرُشْهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجْعَتِي»؟!
فمن يا تُراه هذا الذي يكون حالُه أسوء من حالي؟! فحالي هو حال من قضى حياته في التهاون والتواني والتلكّؤ، وغرسِ الآمال والخيالات، ويُراد الآن العبور به من هذه المرحلة، وإدخاله القبر. فإذا انتقلتُ على هذا الحال إلى قبر لم أستعدّ له، ولم أُحضّر له أيّ شيء، فمن يكون حينئذ أسوأ حالاً منّي؟! لأنّ عمري انقضى، ولم يعُد بوسعي فعلُ أيَّ شيء؛ كما لا يوجد لديّ عمرٌ لكي أعوّض فيه؛ فقد أفنيتُ عمري بالتسويف والآمال؛ وها أنا ذا أرحل الآن خاليَ الوفاض، ونتيجة ذلك الحسرة والندم!
- إحياء العلوم، ج ٤، ص ٢۸، نقلًا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إِنَّ أَكثَرَ صِياحِ أَهلِ النارِ مِنَ التسويفِ».
