
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
3... *** وعدهی فردای زاهد را چرا باور کنم یقول: لماذا أصدّق وعد الزاهد؟
فلديه شعر شبيه بهذا وقد نسيته الآن ويقول فيه أنا الآن مع إلهي ومع هذه النعم. ويقول في موضع آخر:
من كه ملول گشتمیاز نفس فرشتگان *** قال و مقال عالمیمیكشم از برای تو والمعنى: أنا الذي مللت من أنفاس الملائكة صرت أحتمل من أجل عذل العالمين.
فهناك هو في مكان يتكدّر فيه حتّى من مجالس مظاهر الأسماء الجماليّة لله، فإلى هذا الحدّ قد وصل. بعدها يقول: وعده فردای زاهد را چرا باور كنم
والمعنى: لماذا أصدّق وعد الزاهد للغد؟!
فهو يقول لي الآن: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾۱، ﴿جنّات تجري من تحتها الأنهار﴾٢، وجنّات غلمانها كذا وحورها كذا والتي تحدّثنا عن شيء منها في ليالي شهر رمضان الفائتة إن كان الرفقاء يذكرون، فهذه الحالة تحصل في هذه الدنيا للعارف ولوليّ الله وللذين هم في مرتبة الوصال، فهذه الحالة هي جنّتهم، جنّتهم هي تلك الحالة التي يعيشونها في هذه الدنيا، ولكنّ الحياة في هذه الدنيا والجلوس والقيام الأكل والنوم والتحرّك ليست هي الجنّة، تلك الأعمال التي على الإنسان أن يقوم بها في هذه الدنيا، وتلك المرتبة من أرواحهم ونفوسهم الخافيّة علينا، هم في تلك المرتبة في الجنّة. لذلك لا يرغبون أن يتكلّموا مع أحد، ولذلك تمرّ مجالسهم بالسكوت، ولذلك ليست لديهم القدرة على الكلام مع أحد، ولذلك ليست لهم القدرة على المشاركة في هذه المجالس العامّة، ولذلك ليست لهم القدرة على مجالسة هؤلاء العوام الذين هم كالأنعام، ولذلك لا يمكنهم أن يجالسوا أيّ إنسان مهما كانت خصوصيّاته، ولذا لا يمكنهم صرف أوقاتهم في الأمور التي لا طائل تحتها واللهو والعبث والتي يقضي سائر الناس أوقاتهم بها، فلماذا كلّ ذلك؟! لأنّهم لا يمكنهم التنازل عن ذلك المقام، ولو أرادوا التنازل فلأجل التكليف، ويتعب كثيرًا في ذلك، ولكن ماذا يصنع والتكليف يقتضي منه في مثل هذه الحالة أن يصنع ما يصنع.
ذلك الذي لا يمكنه أن يتكلّم مع الملائكة عليه أن يتكلّم الآن مع أبي سفيان، ومع أبي جهل ويطرق بنداء التوحيد كالمطرقة على كلّ واحد من المشركين رغم صدورهم التي هي كالحجارة وقلوبهم التي هي كالحجارة السوداء، عليه أن يطرق مكرّرًا على كلّ واحد منهم بنداء التوحيد فيقوله اليوم ويقوله غدًا ويقوله غدًا في المسجد الحرام، ولا يتراجع عنه، يسخرون منه، يستهزئون منه، يلاحقونه، يرسلون خلفه الأراذل والأوباش ويؤذونه لعلّه ينصرف عن عزمه، ولكنّه لا يتخلّى، لماذا؟ لأنّ لديه أمرًا ولديه تكليفًا ولا بدّ أن يبلغ هذا التكليف إلى الناس، وأثناء أداء هذا التكليف يشجّون رأسه، ويكسرون رجله ويسقطون رباعيّته، ويضربونه بالسيوف ويرمونه بالنبال فلا يتخلّى.
- سورة الرحمن (٥٥)، الآية ۷٢.
- سورة البقرة (٢)، مقطع من الآية ٢٥ وقد تكرّر هذا المقطع في القرآن ٢۸ مرّة في مختلف السور.
