
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
24وليلتفت الرفقاء إلى هذا الأمر، فإمّا أن لا يعدوا، وإمّا أن يفوا عندما يعدون، فالوفاء هو كالصلاة الواجبة ولا بدّ من العمل به، ولا يختلف الأمر في هذا المجال، ﴿وأوفوا بالعهد﴾ يجب عليكم الوفاء بالعهد، لا بالعهد الذي هو ضمن العقد، فالعهد هنا مطلق وإطلاقه يشمل جميع الموارد من العقود اللازمة وغير اللازمة ومن الشروط الابتدائيّة ﴿وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾. وطبعًا هناك في الروايات وصايا وعبارات تفيد أنّ المراد من العهد الوفاء بالعهد والقبول بولاية أمير المؤمنين عليه السلام! فهذه مسائل باطنيّة، لا من هذه المسائل الظاهريّة والشرعيّة والفقهيّة.
حسنًا فلدينا في هذه الآيات نوعان من الأحكام أحدهما الأحكام الملزمة والموجِبة، والآخر الأحكام الناهية والمحرّمة، وعندما يقول ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ﴾ فهي ترجع إلى المحرّمة وتلك الأحكام التي بيّنها الله هنا مثل: ﴿ولا تقربوا الزنا… ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق … ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله … ولا تقف ما ليس لك به علم … ولا تجعل يدك مغلولة …﴾ والتي تتضمّن حرف "لا" وفيها نهي وتحريم، فكلمة "سيّئه" المراد بها هو هذه المحرّمات وجميع الموارد التي ذكرناها منها والتي تتضمّن نهيًا. فما هي حال تلك المحرّمات؟ ﴿عند ربّك مكروهًا﴾ لا يحبّها الله ولا يرضاها، أمّا النوع الآخر فلا، مثل: ﴿وأوفوا الكيل وزنوا بالقسطاس المستقيم … وأوفوا بالعهد﴾ فهذا القسم الآخر المقابل لهذه الأمور التي هي ﴿لا تقف ما ليس لك به علم﴾ والتي في مقابلها: اقف ما عندك به علم وما عندك به يقين في هذا المسير الذي اخترته، فهذه الأمور لا يمكن أن تكون مكروهة. هذا معنى ظاهريّ.
والمعنى الآخر الذي كان المرحوم العلاّمة يفسّر به هذه الآية والذي يستحقّ الدقّة هو… ـ وقد مضى الوقت وكنت قد وعدتكم أن أنهي البحث وأنا أتصوّر أنّ ﴿أوفوا بالعهد﴾ هذه هي لي أنا أوّلاً فإنّي دائمًا أعاهدكم، وطبعًا جعلت في عهودي شرطًا وهو أن أفعلها في صورة الاستطاعة، فقد تركت مجالاً للفرار، وأحيانًا لا أستطيع ـ كان المرحوم العلاّمة يقول: معنى ﴿كلّ ذلك كان سيّئه﴾ هو هذه الأمور المحرّمة ولا تنظر الآية إلى الأمور غير المحرّمة، فالله يتحدّث عن الجهة السيّئة من هذه الأمور المحرّمة، لا الجانب التكوينيّ والماديّ الخارجيّ.
