
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
21ما بقي في هذا المقام هو نتيجة الكلام وهي أنّ…
تفسير آية (كلّ ذلكَ كان سيّئه عند ربّك مكروهًا) وما قبلها من آيات
أذكر أنّ المرحوم العلاّمة ـ وقد تذكّرت ذلك الآن ـ قد تحدّث يومًا حول آيات في سورة الإسراء، فهناك آيات في سورة الفرقان تقريبًا ۱٤ آية تأمر بمسائل أخلاقيّة وبالواجبات والقيم والتكاليف ويبيّن خلالها القرآن صفات أولياء الله وتبدأ بقوله تعالى ﴿وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ إلى آخرها، وهناك آيات أيضًا في سورة الإسراء يذكر الله فيها بعض التكاليف مثلاً، وهي تبدأ من هنا على ما يبدو: ﴿وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾۱ تبدأ من هنا لا تحبس يدك في جيبك ولا تبخل وكذلك لا تفرّط وتبسط يدك كثيرًا بحيث إنّك إذا أردت أن تعطي تجد نفسك ملومًا محسورًا وتصاب بالحسرة. ثمّ يقول الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيراً بَصيراً﴾٢ لا تظنّ أنّ فلانًا إذ كان في ضيف فهو بعيد عن أعيننا، فنحن نقدّر لكلّ إنسان بمقدار ما يصلحه ﴿يبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ﴾ أي يضيّق ﴿وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فعندما انطلق النبيّ يونس خارجًا ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ خال أنّا لا نضيّق عليه ولا نعدّه من سائر الناس، ولكنّه لم يكن يعلم أنّا لسنا غافلين عنه، ولا نغفل عمّا يفكّر به، وأعددنا له برنامجًا لأجل إصلاحه ولأجل تصحيح أحواله وذلك البرنامج هو ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وذكر اليونسيّة المعروف يرجع إلى هذه الحادثة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ﴾ ثمّ يقول: ﴿وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبيرا﴾٣ لا تقتلوا بناتكم وأولادكم من أجل الفقر، لا تقتلوهم وتقضوا عليهم من أجل ذلك ثمّ تستمرّ الآيات المختلفة هكذا: ﴿وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا﴾ ثمّ يقول: ﴿وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَه إِلَّا بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾٤ فالنفس التي حرّمها الله والإنسان البريء لا تقتلوه، لا تقتلوا الإنسان البريء، إلا بالحقّ، كأن يقتل قصاصًا، أو قام بعمل يستحقّ عليه القتل شرعًا، وفي غير هذه الحالة فإنّ قتل الأبرياء هو سقوط في جهنّم على الرؤوس، سواء من يقتل أو يأمر بالقتل كلاهما في قعر جهنّم، ﴿ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ لا تظنّوا أنّكم إذ قتلتم إنسانًا ولم يعد يقدر على شيء فإنّ دمه سيذهب هدرًا، كلاً ﴿فقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾ جعلنا لوليّ الدم سلطة أن عليه أن يحقّ الحقّ فإن استطاع فبها وإلا فمن وليّه؟ إمام زماننا الحيّ فهو وليّ دم الأبرياء الذين يقتلون ولدينا في تفسير هذه الآية أنّ ﴿ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾ تعبيرها هكذا عن سيّد الشهداء عليه السلام أنّ الله جعل وليّ الدم إمام الزمان عليه السلام ولذا يعد بالنصر ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ فنحن جعلناه منصورًا، جعلنا نصرنا حليفه، ومن جهة أخرى فحيث إنّ الإمام عليه السلام وليّ على الجميع ومن لم يكن له وليّ دم فسيكون إمام الزمان وليّ دمه، فيحرق أنفاسه، فمن قتل إنسانًا بغير حقّ أو أمر بالقتل عليه أن يعلم أنّ خصمه إمام الزمان.
- سورة الإسراء (۱۷)، الآية (٢٩).
- سورة الإسراء (۱۷)، الآية (٣۰).
- سورة الإسراء (۱۷)، الآية ٣۱.
- سورة الإسراء (۱۷)، الآيتان ٣٢ و٣٣.
