
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
20ـ ليس لدينا كلام هكذا، فإمّا أن يقول الإنسان الصدق وإمّا أن يقول الكذب، والكذب لا يليق بالإمام، بل لا يليق حتّى بغيره من الناس فكيف به هو؟!
فماذا كانت قصّة الإمام عليه السلام حين يقول تلك العبارة؟ نعم تارة يقول الإمام عليه السلام إلهي إن لم تأخذ بيدي وقعت في الذنب، إن لم يشملني توفيقك… وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح: «إلهي إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق»۱؟! فلولا توفيقك من يجعلني أسير في الطريق؟ فهذا صحيح، فالشيطان يمكن أن يغويني، الرفيق يمكن أن ينحّيني عن المسير، هذا كلّه صحيح، ولكن هل يقول أمير المؤمنين إنّي اليوم سرقت تلك السرقة، وقفزت فوق جدار الناس ونزلت إلى الأسفل وسرقت من الدار ذلك الشيء؟! لا يمكن، هل يمكن أن يقول هذا الكلام وهو لم يفعله، فما دام لم يفعله فلماذا يقول: إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت؟! ففي النهاية أنت لم تذنب، بل حتّى لم تترك الأولى، وسرّك متّصل بسرّ الله ، والعمل الذي يصدر عنك أنت أيّها الإمام هو فعل الله المتجسّد في عالم التعيّنات وفي عالم الخارج، فكيف يرتدي هذا العمل الذي هو عين الربط بذات الله ثوب الكدورة والظلمة ويتجلّى في النفس كعمل محرّم، كيف يمكن للإمام أن يكون قد قال كلامًا كهذا؟!
إن كان الرفقاء يذكرون فقد قلت في تلك الليالي إنّ العمل الذي يقوم به الإنسان له جهة تكوينيّة خارجيّة لا تسمّى ذنبًا، هي عمل خارجيّ، فأنا الآن أتكلّم وكلامي هذا لا هو ذنب ولا طاعة، بل هو كلام يتحقّق وألفاظ تخطر في النفس، غاية الأمر أنّها تستقرّ بعضها إلى جانب بعض وتتركّب بواسطة الإرادة وتنتقل بواسطة سلسلة الأعصاب فتخرج عن طريق اللسان، فهي لا ذنب ولا طاعة، لا شيء منهما، بحيث إنّكم لو ضغطّتم مفتاحًا يبدأ الشريط بالدوران ويخرج صوت، هذا الصوت الذي أصدره أنا يخرج من المسجّل، فهل تضربون المسجّل وتفسدونه؟ كلاّ فإنّما يخرج منه صوت لا هو ذنب ولا طاعة، صوت فقط، والصوت ليس ذنبًا، فما هو الذنب؟ الذنب هو عبارة عن ذلك الهدف والنيّة اللذان هما وراء كلامي هذا ويؤدّي إلى ظهور وبروز هذه الكلمات في الخارج، فهذا هو الذنب. وهذا العمل بنفسه لا يعدّ ذنبًا، فلو أنّ إنسانًا تسلّق جدران الناس عشرة آلاف مرّة فإنّ تسلّق الجدران فيه نفسه ليس ذنبًا، إنّه تسلّق للجدران، تمامًا كما لو أنّ القطة تسلّقت جدارًا وقفزت من فوقه فهل تكون مذنبة؟! الغراب يقفز من فوق الجدار والحمامة كذلك، والآن هناك إنسان قفز أيضًا فلم يرتكب ذنبًا، لماذا تتسلّق الجدار؟ هذا هو المهمّ لماذا تتسلّقه وتقفز من فوقه وتقوم بهذا العمل؟ هل هذا العمل ممّا يرضاه الله؟ لو قمت بذلك مائة ألف مرّة لا يكتبون عليك ذنبًا، وإن لم يكن هذا العمل ممّا يرضاه الله فحتّى لو لم تتسلّق الجدار فإنّه يكتبون عليك معصية، حتّى وإن لم تتسلّق، هذا ما تقدّم في ليالي شهر رمضان.
- زاد المعاد ـ مفتاح الجنان، محمد تقي المجلسي، ص ٣۸٦؛ بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج۸٤، ص ٣٤۰.
