
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
2أعوذ باللَه من الشيطان الرجيم
بسم اللَه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى اللَه على نبيّنا أبي القاسم محمّد
(صلّى اللَه عليه وآله و سلّم)
و على آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
لن نتابع في بحث عنوان البصري الذي كنّا نتحدّث حوله بشكل متسلسل، وإن شاء الله نريد أن نفي بذلك الوعد الذي وعدنا به في ليالي شهر رمضان المبارك.
إن كان الرفقاء متابعين للأبحاث التي طرحت في ليالي شهر رمضان المبارك في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي الرفيع المضامين فسيذكرون أنّ الكلام حول إحدى الفقرات بقي ناقصًا، وقد وعدنا في الليلة الأخيرة أنّ تتمّة الكلام ستكون في أوّلة جلسة تكون لنا مع الرفقاء.
كان حديثنا في ليالي شهر رمضان حول هذه الفقرة الشريفة من عاء أبي حمزة، حيث يقول الإمام:
«إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت وإذا رأيت كرمك طمعت».
فعندما أنظر يا مولاي إلى ذنوبي سيطر عليّ الجزع والفزع والوحشة.
معنى الفزع والفرق بينه وبين القلق
وقد تقدّم للرفقاء أنّ الفزع يختلف عن القلق والاضطراب، فالفزع هو أقصى مراتب القلق، فالدرجة القصوى تسمّى بالوحشة، وهناك آية حول يوم القيامة وأحوال المؤمنين: ﴿وهم من فزعٍ يومئذ آمنون﴾۱ وبناء على بعض القراءات: وهم من فزعِ يومئذ آمنون. والتي تعني أنّ المؤمنين آمنون من فزعِ يوم القيامة، والصالحين آمنون من الفزع يوم القيامة، لا أنّهم آمنون من القلق والاضطراب والتشويش واشتغال الذهن، بل من الوحشة والحيرة التي تحصل هناك هم آمنون، لماذا يحصل للإنسان وحشة؟! لماذا تحصل للإنسان دهشة؟! لأنّه يرى جهنّم إلى جانبه، نار جهنّم ولهيبها والتي هي عبارة عن عين الأعمال التي قام بها الإنسان في هذه الدنيا خلافًا لرضا الله.
حقيقة الجنّة والنار
وإنّها لآية عجيبة جدًّا التي يقول الله فيها: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾٢، فهذا أمر عجيب جدًّا وأنّه كيف يكون وقود النار يوم القيامة عبارة عن الناس أنفسهم، الناس أنفسهم وقود، لا أجسامهم. فليس المراد من الناس أجسامهم، فالجسم ليس قابلاً للاشتعال بل هو ضدّ الاشتعال. ما هو وقود ويؤدّي إلى الاشتعال في هذه الدنيا ماذا هو؟ عبارة عن الخشب، عبارة عن الموادّ المشتعلة كالنفط والبنزين أو سائر الموادّ التي تؤدّي إلى الاشتعال. ولكنّ الماء لا يقال أبدًا إنّه وقود، وأنّ الحجر وقود مثل الجصّ والكلس فهذه ليست وقودًا، الوقود عبارة عن ذلك السائل الذي يؤدّي إلى الاشتعال. والوقود يوم القيامة هو عبارة عن الإنسان نفسه، وهذه نقطة دقيقة جدًّا جدًّا وظريفة تفيد أنّ الله تعالى لم يخلق جهنّم، بل نحن الذين خلقنا جهنّم، والله تعالى لم يخلق الجنّة، بل نحن الذين خلقنا الجنّة، فالجنّة والنار عبارة عن النفس الملكوتيّة والبرزخيّة لأعمالنا وتصرّفاتنا وأفكارنا. فمن كان في هذه الدنيا مطيعًا لله جاعلاً مساره ومذهبه وفق ما يرضاه الله، فإنّ عين هذا العمل هو الجنّة، لا أنّ هناك وعدًا سيتحقّق في يوم من الأيّام، فهذه نظرة عاميّة، ماذا يقول جناب حافظ هنا:
- سورة النمل (٢۷)، مقطع من الآية ۸٩.
- سورة البقرة (٢)، مقطع من الآية ٢٤؛ سورة التحريم (٦٦) مقطع من الآية ٦.
