
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
19آنان كه خاك را به نظر كيميا كنند *** آيا شود كه گوشه چشمی به ما کنند یقول: هؤلاء الذين يحوّلون التراب بنظرة منهم إلى ذهب، هلاّ ينظرون إلينا بطرف أعينهم.
مستوى الجنّة التي يصنعها موسى بن جعفر عليه السلام في الدنيا
هذه هي الحقيقة، فموسى بن جعفر عليه السلام يصنع جنّته في هذه الدنيا، في هذه الدنيا بعينها في هذه الدنيا يجعل الجنّة، يصنع لنفسه في هذه الدنيا تلك النعم، فموسى بن جعفر عليه السلام هذا والذي يجعل أجمل امرأة في قصر الخليفة العبّاسي بتلك الحالة هل تُعِدّ سجدته الحور العين؟! إنّها ليست شيئًا! وهذا أمر معيب، إنّه إهانة للإمام، إنّه توهين بالإمام، إنّ سجدة موسى بن جعفر عليه السلام تُعِدّ له ذات الله وتأتي له بذات الله، وتحقّق له مقام الاتّصال بالذات، وتلك التجليّات الذاتية التي هي أرفع من مقامات وتجلّيات الأسماء والصفات الكليّة لله، تحقّق له هذا لا الحور والغلمان والجنّة والفواكه والمراتب وأمثال ذلك، إنّ سجدة موسى بن جعفر عليه السلام تهدي لموسى بن جعفر عليه السلام جنّة الذات، تقدّم له مقام القرب والأنس بذات الله والذي لا يتمنّى أن يتنزّل عنه لحظة واحدة إلى المراتب الجمالية والظهورات الجماليّة.
فإذن ما يقوم به أولياء الله والمؤمنون بصورة عامّة في هذه الدنيا على أساس تلك الجهة الملكوتيّة وذلك المقدار من الهدف والنيّة والإرادة التي في قلب كلّ واحد منهم، يحقّق لهم تلك المرتبة من النعم الإلهيّة في الذات وفي الجنّة، ولذلك لدينا في آيات القرآن أنّ الجنّة موجودة الآن وجهنّم موجودة الآن وهذا معنى ﴿وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾۱ أي إنّ عين هذا العمل هو صانع جهنّم ويصنع جهنّم، فليس لدينا جهنّم واحدة، لدينا جهنّم بعدد الناس يوم القيامة، وهناك جهنّم لهم بعدد الذنوب في المراتب المختلفة.
كيف ينسب الإمام الذنب إلى نفسه؟
والآن الإمام السجّاد عليه السلام يقول ـ وقد اقتربنا كثيرًا من الجواب ـ : «إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت» إلهي عندما أنظر إلى ذنوبي تسيطر عليّ الوحشة، فمتى تحصل الوحشة للإنسان، عندما يرى جهنّم، فما لم يرها الإنسان وما لم ير الإنسان مكانته فلا داعي لأن تسيطر عليه الوحشة، وإن كان السادة لا يزالون يذكرون وملتفتين وحافظين لما ذكرنا في تلك الليالي فقد ذكرت أنّ الإمام لم يمازح هنا، والإمام لم يمثّل لي ولك فيلمًا، فالإمام لم يكن فنّانًا، والإمام أكثر صدقًا وجدّية وإتقانًا وإحكامًا منّا جميعًا في بيانه هذه الحقائق بين يدي الله، وكان أقرب إلى الواقع، وليس لدينا في الدنيا من هو أكثر صدقًا واعتقادًا فيما يقول من الإمام عليه السلام فيما يقوله لله، أفيأتي واحد من الأئمّة عليهم السلام ويمازح الله في خطابه له؟! أو يقول كلامًا غير حقّ؟ فأنت لم ترتكب ذنبًا فلماذا كلّ هذا البكاء؟! أنت لم تذنب فلماذا تقول: إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت؟! فمتى أذنبت أنت؟! بل متى ارتكبت مكروهًا لكي تفزع وتجزع هكذا؟ فبماذا يجيب الإمام السجّاد عليه السلام؟! هل الكذب جائز حتّى يكذب الإنسان؟! هل يمكن للإمام السجّاد أن ينكر الحقائق الخارجيّة؟ هل يمكن أن يقول: أنا لست ابن الحسين بن عليّ بل ابن زيد بن أرقم؟! هل يمكن أن يقول ذلك؟! لا يمكن أن يقوله، فالكذب كذب، والإمام السجّاد عليه السلام ولد من سيّد الشهداء، وأمّه معروفة إنّها شهربانو بنت يزدجرد، وقد توفّيت أثناء الولادة، والإمام السجّاد عليه السلام لم يرها، والد الإمام السجّاد معروف، وأمّه معروفة، وعائلة الإمام السجّاد معروفة، الجميع معروفون. وهل يمكن للإمام السجّاد أن يقول: ليس هؤلاء أصحابي، ليس أبو حمزة الثمالي وأمثاله أصحابي، بل هم رجال آخرون مثلاً من أبناء ما قبل مائتي عام؟! فهذا كذب، فكيف لا يكون هذا كذبًا؟! هذا كذب والإمام السجّاد عليه السلام لم يرتكب ذنبًا، فكيف يقول لله: لقد أذنبت؟! هل يمكن للإنسان في مقام مناجاة الله أن يغضّ الطرف عن المسائل التكوينيّة الخارجيّة؟! هل يمكن للإنسان أن ينكر القضايا التكوينيّة الخارجيّة التي تحقّق لها وجود خارجيّ؟! هل يمكن للإمام عليه السلام أن يقول إنّ جاري هو إنسان آخر؟! لا يمكنه، ولو قال فهذا كذب، سيكون قد أذنب، هل يمكن للإمام أن يقول: إنّ أبي هو إنسان آخر؟ هل يمكن أن يقول: أنا اليوم خرجت من المنزل ولم أر هؤلاء الناس، أو خرجت من المنزل اليوم ورأيت هؤلاء الناس والحال أنّه لم يرهم ومع ذلك يقول رأيتهم؟! سنقول له: يا بن رسول الله أنت لم ترَ أحدًا فكيف تقول إنّك رأيت؟! فيقول الإمام: حسنًا في هذا المقام أتكلّم هكذا.
- سورة التوبة (٩)، الآية ٤٩؛ سورة العنكبوت (٢٩) الآية ٥٤.
